لماذا يُعتبر الخط الوطني انحيازًا؟
د. محمود عباس
لماذا يُعتبر الخط الوطني انحيازًا؟
الحلقة الأولى
الخلافات الجارية في غربي كوردستان بين الاصطفاف والبنية السياسية.
حين تُوضع كوردستان معيارًا أعلى من الحزب، يُنظر إلى ذلك أحيانًا بوصفه انحيازًا. وحين يُقدَّم المشروع الوطني في غربي كوردستان بوصفه المرجعية النهائية، يتولد ارتباك داخل البنى الحزبية التي اعتادت أن تجعل التنظيم هو الإطار الأعلى للشرعية. هنا لا يعود السؤال: من مع الإدارة الذاتية؟ ومن مع المجلس الوطني الكوردي؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ما هو المعيار الذي تُقاس به المواقف أصلًا؟
في ظل التصاعد الحالي للخلاف بين قوى الإدارة الذاتية وأحزاب المجلس الوطني الكوردي، تتخذ السجالات طابعًا يتجاوز النقد السياسي إلى مستوى الشحن المتبادل. غير أن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في حدة الخطاب، بل في طبيعة البيئة التي يجري فيها هذا التصعيد: بيئة متوازنة القوة، متداخلة المجتمع، ومحاطة بتحديات إقليمية لا تخفى على أحد. في مثل هذه البيئات والظروف، لا يخلق الصراع منتصرًا بقدر ما يراكم الخسائر.
الخط الوطني، حين يُطرح في هذا السياق، لا يعني الوقوف في المنتصف الهندسي بين الطرفين، ولا يعني تمييع الفروق السياسية بين مشروعين مختلفين في الرؤية والإدارة. إنما يعني نقل النقاش من سؤال: من الأحق بالتمثيل؟ إلى سؤال: ما الذي يخدم كوردستان في غربيها، على المدى الاستراتيجي؟ غير أن هذا التحول في زاوية النظر يزعج منطق الاصطفاف، لأنه يسحب الشرعية من معادلة الغلبة، ويعيدها إلى معادلة المصلحة الوطنية الأشمل.
في البيئات المستقطبة، لا تُفهم المساحة الوطنية الجامعة بوصفها موقعًا جامعًا، بل يُعاد تفسيرها داخل منطق المعسكرين. من لا يصفّق بالكامل للإدارة الذاتية يُتهم بأنه يضعفها، ومن لا يتبنى خطاب المجلس الوطني يُتهم بأنه يتجاهل “التمثيل الشرعي”. هكذا يتحول التحليل إلى موقف، والمساءلة إلى اصطفاف، ويُختزل الخط الوطني في خانة الشبهة.
لكن السؤال الذي لا بد أن يُطرح بوضوح: في ظل توازن القوى القائم، هل يمكن لأي طرف أن يحسم؟ وإذا كان الحسم غير ممكن، فما معنى استمرار التصعيد؟ وهل هناك رابح فعلي في معارك الاستنزاف السياسي والإعلامي والاجتماعي؟ أم أن الرابح الوحيد هو من يراقب من الخارج ويستثمر في الانقسام؟
إن أي صراع صفري داخل غربي كوردستان، في هذه المرحلة الدقيقة، لا يؤدي إلى تعزيز الشرعية لأي طرف بقدر ما يضعف المجال الكوردستاني ككل: يضعف الثقة المجتمعية، ويهز صورة التماسك، ويقلص القدرة التفاوضية أمام القوى الإقليمية والدولية. وحين يتآكل الداخل، لا يعود الخارج بحاجة إلى جهد كبير للتأثير.
هنا تحديدًا يصبح الخط الوطني “مقلقًا” لبعض الأطراف. فهو لا يمنح صك براءة مطلقًا، ولا يُحمّل طرفًا واحدًا كل الأخطاء، ولا يوفر مادة سهلة للتعبئة. إنه يطالب الجميع بمعيار أعلى: معيار كوردستان نفسها. وهذا المعيار، بطبيعته، يكشف القصور أينما وُجد، ويُسائل السياسات بصرف النظر عن مصدرها.
ليس المقصود إنكار وجود أخطاء حقيقية لدى هذا الطرف أو ذاك، ولا الدعوة إلى وحدة شكلية تتجاهل الخلافات البنيوية. بل المقصود وضع تلك الخلافات في حجمها السياسي الطبيعي، ومنعها من التحول إلى شرخ اجتماعي دائم. فالخلاف السياسي قابل للإدارة، أما الشرخ المجتمعي فثمنه طويل الأمد.
إن الخط الوطني لا يُقاس بمدى قربه من هذا الحزب أو ذاك، بل بمدى حفاظه على المجال الكوردستاني من التآكل. وعندما يُختزل الوطن في تنظيم، أو يُختزل التنظيم في الوطن، تختلط المعايير، ويصبح أي نقد تهديدًا، وأي قراءة مستقلة موضع ريبة.
السؤال الجوهري إذن ليس: من مع من؟ بل: كيف نحول دون أن يتحول الخلاف إلى معركة كسر عظم في غربي كوردستان؟ وهل يمكن أن نُبقي الصراع في إطاره السياسي، دون أن ينزلق إلى استقطاب مجتمعي يخدم المتربصين أكثر مما يخدم أي مشروع كوردستاني؟
بين منطق الغلبة ومنطق الشراكة، يتحدد المسار. فإذا كان السقف هو كوردستان، فإن كل طرف مطالب بأن يثبت أن ممارساته تخدمها، لا أن يكتفي بإثبات تفوقه على خصمه. أما إذا أصبح الحزب هو السقف، فإن الخط الوطني سيظل يُفهم بوصفه انحيازًا، وسيظل من يرفعه يُساء تأويله.
وفي مرحلة لا تُحمد عقباها إذا انفلتت، قد يكون رفع هذا السقف – سقف كوردستان فوق كل تنظيم – هو الحد الأدنى من المسؤولية السياسية.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق