أسباب صيامي كثيرة

أسباب صيامي كثيرة
عبد الرزاق دحنون

قال إعصار لصياد سمك: أسبابُ غضب تياري كثيرة، ولكن السبب الأهم، هو
الدفاع عن حرية الأسماك، والوقوف بوجه الشباك. هذه الكلمات لصديقي الشاعر
الكردي شيركو بيكه سه. رأيتُ فيها مدخلاً حسناً للحديث عن تجربتي مع الصيام
التي دامت/1125/ يوماً متصلاً! نعم الرقم لا خطأ فيه. بدأتُ الصيام في 15
مارس/ آذار 2012، وأنهيته في 15 إبريل/ نيسان 2015. وبما أنني من مريدي
فيلسوف معرة النعمان، فكنت أفطر في أول أيام عيد الفطر وفي اليوم الأول من عيد
الأضحى.

وأسباب صيامي كثيرة، منها الغضب. وقد كان يقال: من لم يغضب لنفسه ناصراً،
لم يغضب لبني جنسه مُنتصراً، ومن لم يَخَفْ عند العظيمة مُنتصفاً، لم يرجُ عند
النوائب مُسعفاً. ومن لم يأنف من القذع في عِرضه آبيَّاً؛ لم يبت على الخسف إلا
راضياً. فالغضب، وإن كان مذموماً عند بعض الخِلال، فإنه محمود في بعض
الأحوال، وكما أن استمرار الغضب في جميع الأحوال نوع من فساد الأخلاق، كذلك
أيضاً الرضى في جميع الأمور ضرب من ضروب النفاق، ولا بد من التقلب بين
الرضى والغضب.

والغضب من سمات شخصيتي، عنعنة جاهلية ورثتها عن جدي عثمان دحنون،
رحمه الله، وقد كان الصيام مسعفاً حقيقياً زادني لطفاً في الحديث مع الناس (ولو
كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)، وجعل أسلحتي أمضى في مواجهة تلك
الأيام العجاف التي كُنا نعيشها في مدينة إدلب في الشمال السوري، قبل أن نرحل
عنها في رحلة رحيل شاقة إلى ديار أكثر أمناً، وأكثر رحابة لصغار أهلكهم هدير
الطائرات الحربية الروسية التي تقصف “عام طام” فتقتل البشر والشجر والحجر.

فتح الصيام لي أبواباً كثيرة، منها خفض جناح الذل من الرحمة للوالدين والأهل
والأصحاب، وفي القرآن:”إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ
وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا”.

ولو كان للصيام هذه الفائدة الوحيدة، لوجب صيام الدهر كله. رحم الله فيلسوف
معرة النعمان، فقد عجبتُ لصيامه خمسين عاماً متصلة. وقد استطاع بفكره الفلسفي
المبثوث في مؤلفاته تجاوز زمانه ومكانه ليكون حاضراً في أي مسعى منشود
لفيلسوف حرّ يريد أن يوحد بين الذات والنص لتوطيد سلطته الثقافية والفكرية. كتب
الباحث هادي العلوي البغدادي – طيَّب الله ثراه – يقول: اجتمعت في فيلسوف معرة
النعمان المقوّمات النموذجية لمفكر حر، ألمَّ بفكر العرب وثقافتهم، واستمدَّ من تلك
الثقافة رموزها الفلسفية، فأنضجها في أتون العقل، وصنع منها مشروعاً حضارياً
عملاقاً نستطيع القول إنه ما زال حياً إلى اليوم.

وأنا على كل حال أسكن في جوار فيلسوف معرة النعمان، ولي فيها أهل وأصدقاء،
وللجيرة تأثيرها في النفس، فحين تضيق سبل العيش – ما أضيق العيش لولا فسحة
الأمل – أُيمّم وجهي شطر معرة النعمان حيث ضريح فيلسوفها أُناجيه مناجاة
العارف بفضله وعلمه، وأردد قول الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري
من قصيدته عن فيلسوف المعرة، التي جاءت في واحد وتسعين بيتاً، وأنشدها أول
مرة في المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري في ذكرى مرور ألف سنة على
مولده، وذلك في حفل الافتتاح المهيب يوم الاثنين الخامس والعشرين من
سبتمبر/أيلول 1944، على مدرج جامعة دمشق في العاصمة السورية. حضر
الحفل رئيس الجمهورية السورية تلك الأيام السيد شكري القوتلي، وكان طه حسين
حاضراً في تلك الأمسية.

في هذه القصيدة يمسك محمد مهدي الجواهري ناصية القول الشعري، الذي يُجمع
على جودته خلق كثير، وتطرب لوقعه أفئدة الملايين من البشر. وها هو يُنشد
قصيدته البائية بلكنة عراقية محببة، ويده على كتف طه حسين:

قف بِالمعـرة وامسح خدها التربا
واستوحِ من طوق الدنيا بِما وهبـا

إلى أن يقول:
على الحصير وكوز الماء يرفده

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك