ضائعٌ بين أقرانه

ضائعٌ بين أقرانه
*
الجــزء الرابع
(قرّرتُ أن أكتب حتى لا أضيع)
رشيد مصباح (فوزي)
اليوم، ونحن في مستهلّ شهر رمضان، شهر التوبة والغفران، تعرّضتُ لانهيار مفاجئ حال بيني وبين مواصلة الكتابة، بل وحتى عن قراءة القرآن، وهو الأولى بكلّ وقتي وجهدي. شعرتُ بوهن يحاول أن يسرق مني القدرة على الصيام والقيام، غير أنّ الله أودع في الإنسان طاقة عجيبة تُسمّى الإرادة.
ذكّرني ذلك برجل قيل يومًا إنه يواجه مرضا خطيرا، وتناقلت الألسن أخباره. وظنّنا أن أيامه معدودة. وبعد فترة صادفته في الطريق، فسألته عن حاله، فابتسم وقال بالفرنسية: ”J’ai décidé de vivre“.
لم يقل: سأتعالج،
ولم يقل: سأقاوم،
قال: قرّرتُ أن أعيش.
قال: قرّرتُ فحسب.
حينها فهمت أن القرار نفسه نصف النجاة.
أما أنا، فلا يخيفني الموت بقدر ما يخيفني التوقّف. التوقّف عن كتابة روايتي ”ضائع بين أقرانه“. لأنني أشعر، بصدق لا مبالغة فيه، أن توقّفي عنها يعني ببساطة أن أضيع. الكتابة بالنسبة لي سياج وصمام أمام يحفظني من السقوط في الفراغ.
كان آخر ما توقّفتُ عنده في الأحداث عودتي من العاصمة الجزائر إلى سوق أهراس، لأجد مدير وكالة الضمان الاجتماعي في انتظاري. أدركتُ حينها أن الأمور تعقّدت، وأنّ عليّ تبرير ذلك ”التجاوز“ الذي قد يضع مستقبل الرجل نفسه في مهبّ الريح. لم أكن باحثا عن بطولة، لكن كما يُقال: مكره أخاك لا بطل. كنتُ مضطرّا، بعدما تكشّف لي أن هناك من يحيك ضدي خيوط عرقلة، من داخل المطاحن ومن مستوى مركز مداوروش، وأن الطرد لم يعد احتمالًـا بعيدا.
التقيتُ المدير في الأسفل، وكان على عكس توقّعاتي متحمّسا لرؤيتي. دعاني إلى مكتبه، وسلّمته قائمة مفصّلة بالمشاكل التي يعانيها عمّال المطاحن، إضافة إلى الشكاوى التي رفعتها سابقا.
تصفّح الأوراق سريعا، ثم رفع رأسه قائلًـا إن المسألة أبسط مما بدا، وإنها لا تستحق كل ذلك التضخيم.
خرجتُ من عنده وأنا أشعر كأن صخرة أزيحت عن صدري.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت العقد تنحلّ واحدة تلو الأخرى. أبواب ظلّت موصدة في وجهي، فُتحت فجأة. ترحيب، تسهيلات، حلول جاهزة. وكأن الريح التي كانت تعاكسني طويلًـا غيّرت اتّجاهها أخيرا.
شعرتُ أن المتآمرين سقطوا في ما نسجوه بأيديهم، وأن الدرب الذي أرادوه لي انقلب عليهم.
وفي تلك الليلة، أدركتُ شيئا بسيطا لكنه حاسم: كما قرّر ذلك الرجل أن يعيش… قرّرتُ أنا أن أكتب، لأن الكتابة، في نهاية الأمر، ليست حكاية أرويها… بل حياة أتمسّك بها حتى لا أضيع.
يتبع../

إرسال التعليق