مصير النظام القائم في سوريا
د. محمود عباس
هل يسير الجولاني على خطى بني أمية في سقوط بدأ من الداخل قبل أن يُحسم في الخارج؟
التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يكشف أنماطًا بنيوية تتكرر بأشكال مختلفة. حين نستحضر تجربة الدولة الأموية لا نقارن أشخاصًا بأشخاص، بل نقارب نموذجًا بنموذج، كيف تفقد سلطة ما قدرتها على إدارة التوازنات الداخلية قبل أن تُهزم خارجيًا؟ الدولة الأموية لم تسقط لمجرد هزيمة عسكرية، بل لأنها فقدت تدريجيًا قدرتها على الحفاظ على إجماع داخلي واسع. بدأت التوترات صامتة، صراعات داخل البيت الحاكم، انقسامات قبلية بين قيسية ويمانية، شعور فئات بالتهميش، وتراجع الخطاب الأخلاقي الذي كان يمنح الشرعية الأولى زخمها. وعندما يتآكل الإجماع، تتحول السلطة من مشروع سياسي جامع إلى جهاز ضبط أمني، وهنا يبدأ الانحدار الحقيقي.
كل سلطة تخرج من صراع دموي تواجه سؤالًا مصيريًا، هل تؤسس شرعيتها على منطق الغلبة أم على عقد اجتماعي جديد؟ إذا استندت إلى فكرة “المنتصر يقرر”، فهي تؤجل الأزمة ولا تحلها، لأن الغلبة تُنتج طاعة مؤقتة لا قبولًا مستدامًا. أما إذا أعادت صياغة العلاقة مع المجتمع على أساس تمثيل حقيقي ومؤسسات مستقلة وتوزيع عادل للسلطة، فإنها تحصّن نفسها من دورة الانتقام السياسي. في التجربة الأموية، حين ضاقت مساحة المشاركة السياسية وتراكم الاحتقان، ظهرت سرديات بديلة استثمرت هذا التململ حتى جاءت الدولة العباسية لا بوصفها صانعة الأزمة، بل مستثمرة لها.
في السياق السوري المعاصر، تتجلى مؤشرات التآكل المبكر إذا توافرت عناصر محددة، غياب مشروع وطني جامع يتجاوز الانتماء الفئوي، احتكار القرار في دائرة ضيقة، تصاعد خطاب التخوين بدل بناء الثقة، وتنامي التململ داخل القاعدة الاجتماعية نفسها التي دعمت السلطة. أخطر مراحل الدولة ليست حين يعارضها خصومها، بل حين تبدأ قواعدها في التساؤل، هل ما زلنا ممثلين؟ هل تغيّرت الأولويات؟ هل تحوّل الخطاب من مشروع جامع إلى سردية دفاعية تبرر الإخفاق؟
اللحظة الأخطر في أي تجربة حكم ليست لحظة المواجهة مع المعارضة، بل لحظة التباعد الصامت بين توقعات الحاضنة وأداء القيادة. حين يشعر جزء من القاعدة أن السلطة لم تعد تعبّر عن أولوياته اليومية، الأمن، الاقتصاد، الخدمات، الاستقرار، يتبدل المزاج العام تدريجيًا. لا يحدث ذلك عبر انفجار فوري، بل عبر تآكل الثقة، وهو أشد فتكًا من الصدام المباشر. ومع مرور الوقت، تتحول المظلومية التي كانت أداة تعبئة في مرحلة المعارضة إلى عبء في مرحلة الحكم، لأن السلطة تصبح مسؤولة عن القرار لا عن الاحتجاج عليه.
صحيح أن القياس الحرفي بين الماضي والحاضر خطأ منهجي، فالدولة الأموية كانت إمبراطورية توسعية في سياق تاريخي مختلف، بينما سوريا اليوم كيان منهك تتقاطع فيه إرادات إقليمية ودولية، وتعمل فيه مؤسسات حديثة وإعلام عابر للحدود وشبكات ضغط دولية. لكن نمط “التآكل الداخلي قبل الانهيار” يبقى صالحًا كنموذج تحليلي، لا كتكرار تاريخي.
في المجتمعات التي لم تنجز مصالحة حقيقية، تتكرر مفردة “الفلول” بوصفها أداة في الصراع السياسي. كل سلطة تُسقط سابقتها بتهمة الفساد أو الخيانة، ثم تجد نفسها لاحقًا موضع الاتهام ذاته. المشكلة ليست في الأفراد، بل في غياب بنية سياسية تمنع احتكار السلطة وتؤسس لتداولها السلمي. حين لا تُبنى مؤسسات مستقلة، يصبح التاريخ سلسلة من البحث عن مذنبين، بدل بناء منظومة تمنع تكرار الخطأ.
السؤال إذن ليس ما إذا كان التآكل سيحدث ضمن الحكومة السورية الانتقالية وحاضنتها المذهبية، بل ما إذا كانت هناك إرادة واعية لبناء دولة تتجاوز منطق الغلبة. الدول لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفشل في تجديد شرعيتها وفي تحويل الحاضنة المؤقتة إلى عقد اجتماعي مستدام. الفارق بين البقاء والتآكل لا يُقاس بحجم القوة المسلحة، بل بمدى القدرة على تحويل الانتصار إلى مشروع دولة يتسع للجميع.
إن كان من درس يُستفاد من التجارب التاريخية، كتجربة بني أمية، فهو أن التماسك لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالعدالة والتمثيل والمشاركة. وأي سلطة لا تعي هذه القاعدة تدخل، ولو ببطء، في مسار التآكل، حتى وإن بدا ظاهرها قويًا. المسألة في النهاية ليست من سيُوصَف غدًا بالفلول، بل هل ستُكسر الحلقة المفرغة التي تجعل كل مرحلة انتقالية تمهيدًا لصراع جديد. التآكل يبدأ حين تُهمَل هذه الأسئلة، أما الاستقرار الحقيقي فيبدأ حين تُطرح بصدق، ويُبنى حولها مشروع دولة لا مشروع سلطة.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق