حدود السلطة في زمن الأزمات
سعد عزت السعدي
تُختبر متانة الدولة القانونية في الظروف العادية عبر جودة الإدارة، لكنها تُختبر في الأزمات عبر حدود السلطة. ففي لحظات الحرب، الكوارث، الأوبئة، والانهيارات الأمنية، تميل السلطة التنفيذية إلى طلب صلاحيات استثنائية تتجاوز الإطار الإداري المعتاد. هنا يظهر السؤال القانوني الحاسم: متى تكون السلطات الاستثنائية ضرورة مشروعة، ومتى تتحول إلى انحراف مقنّن؟
الأزمة لا تُنشئ القانون، لكنها تضغط عليه. والدولة التي لا تملك إطاراً قانونياً منضبطاً لإدارة الطوارئ ستضطر عملياً إلى إدارة الأزمة خارج القانون — وهو أخطر من الأزمة نفسها.
وبهذا الاطار يظهر لنا مفهوم السلطات الاستثنائية والتي هي صلاحيات إضافية تُمنح للسلطة التنفيذية مؤقتاً لمواجهة ظرف غير اعتيادي يهدد كيان الدولة أو سلامة المجتمع, فالسلطات الاستثنائية هي ،
الحرب أو العدوان المسلح, التمرد أو الانهيار الأمني , الكوارث الطبيعية واسعة النطاق, الأوبئة العامة, الانهيارات الاقتصادية الحادة . لكن من الخطأ الشائع اعتبارها “سلطات مطلقة”. في الفقه الدستوري الحديث، السلطات الاستثنائية ليست خروجاً عن القانون بل هي نظام قانوني خاص داخل القانون.
اما الأساس الدستوري لحالات الطوارئ فيتجسد في الدساتير المعاصرة تنظم حالات الطوارئ عبر ثلاثة عناصر أساسية: سبب محدد للإعلان, حيث لا تُعلن الطوارئ بسبب سياسي عام أو اضطراب إداري محدود، بل بسبب خطر جسيم محدد. جهة مختصة بالإعلان, غالباً رئيس الدولة أو الحكومة بموافقة البرلمان أو خلال مدة محددة تُعرض عليه, مدة زمنية مقيدة, الطوارئ المؤبدة تناقض طبيعتها. الاستثناء يجب أن يكون مؤقتاً بطبيعته, الخلل الذي يقع فيه كثير من الأنظمة ليس في النص، بل في تجديد الطوارئ المتكرر حتى تتحول إلى حالة دائمة, ومن جانب اخر فأن مبدأ الضرورة والتناسب, يعد إجراء استثنائي يجب أن يخضع لمعيارين حاكمين, الضرورة: لا يُلجأ للإجراء الاستثنائي إذا كانت الأدوات القانونية العادية كافية. التناسب: يجب أن يكون الإجراء بقدر الخطر، لا أكبر منه.
وكمثل على ذلك فأن تعليق جميع الحقوق بسبب تهديد موضعي محدود هو إجراء غير متناسب، حتى لو كان تحت عنوان الطوارئ, هذا المبدأ مُكرّس في القضاء الدستوري المقارن وفي القانون الدولي لحقوق الإنسان.
واما القيود القانونية على السلطات الاستثنائية , حتى في أقسى الظروف، هناك حقوق لا يجوز تعطيلها وفق القانون الدولي، مثل: الحق في الحياة, حظر التعذيب, حظر العبودية, مبدأ عدم الرجعية الجنائية.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يسمح بتقييد بعض الحقوق في الطوارئ، لكنه يضع شروطاً صارمة ويُلزم الدولة بالإخطار الرسمي والتبرير.
الدولة التي تُعلّق كل الضمانات بدعوى الأزمة لا تدير أزمة — بل تؤسس لانفلات سلطوي, والرقابة على قرارات الطوارئ, أخطر خطأ إداري هو الاعتقاد أن الطوارئ تُعطّل الرقابة. الصحيح قانونياً:
الرقابة القضائية يجب أن تبقى قائمة, الرقابة البرلمانية تصبح أكثر أهمية لا أقل, قرارات الطوارئ يجب أن تكون قابلة للطعن, يجب نشر الأوامر الاستثنائية لا حجبها.
القضاء الإداري في عدة تجارب قضى بإلغاء إجراءات طوارئ لعدم التناسب، ما يؤكد أن الاستثناء لا يُحصّن القرار من المراجعة.
ويأتي مبدأ الانزلاق من الطوارئ إلى الحكم الاستثنائي فالتاريخ الدستوري يُظهر نمطاً متكرراً, أزمة حقيقية, صلاحيات استثنائية, تمديد متكرر, تطبيع الاستثناء, تآكل الضمانات, فالمشكلة ليست في إعلان الطوارئ — بل في غياب استراتيجية خروج قانونية منها.
فيجب أن يتضمن قانون الطوارئ, مؤشرات انتهاء الحالة, مراجعة دورية إلزامية, تقارير علنية, تصويت تجديدي لا تلقائي.
ونرى ان إدارة الأزمات الحديثة تتطلب قانوناً استباقياً, الإدارة المعاصرة للأزمات لم تعد أمنية فقط، بل متعددة القطاعات: صحية, رقمية, سيبرانية, بيئية, وهذا يتطلب: تشريعات طوارئ متخصصة, توزيع صلاحيات واضح, توزيع صلاحيات واضح, تنسيق قانوني بين المؤسسات, قواعد بيانات قانونية جاهزة للتفعيل, الدولة التي تكتب قانون الطوارئ أثناء الأزمة تكون متأخرة تشريعياً.
واخيراً فأن السلطات الاستثنائية ضرورة في ظروف محددة — لكن خطورتها أنها تعمل دائماً ضد ميل القانون الطبيعي نحو التقييد. لذلك لا تُقاس شرعيتها بوجود نص يمنحها، بل بوجود قيود تُحاصرها.
إذا لم تستطع الدولة أن تشرع قانوناً لماذا اتخذت الإجراء الاستثنائي، فهي لا تمارس ضرورة — بل توسع سلطة.



إرسال التعليق