الخلاف بين ترامب و نتنياهو

ترامب وخلافاته مع نتنياهو( 2 من 2)

نهاد ابو غوش

يجدر بنا التأكيد دائما على أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية كانت وستبقى أقوى من اي خلاف عابر بين من يحكم في تل أبيب او واشنطن، وهي ليست مجرد علاقات ممتازة أو متميزة، كما هي الحال بين دولتين صديقتين أو جارتين أو حليفتين، بل هي علاقة عضوية ترتبط بالدور الوظيفي الموكول لإسرائيل في خدمة المصالح الأميركية، إلا أن ذلك لا يعني أن العلاقة تخلو من المنغصات وعوامل التشويش. كانت هذه المنغصات حاضرة في فترتي ولاية الرئيس باراك أوباما، وبشكل أقل في فترة ولاية بايدن، كما في الولايات التي سبقت هؤلاء الرؤساء.
وقد اتخذت الإدارات الأميركية المتعاقبة مواقف تقليدية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فمع انحيازها الدائم لإسرائيل ودعمها بالمال والسلاح لضمان تفوقها النوعي، وتغطية ممارساتها وسياساتها ومنع مجلس الأمن من اتخاذ أي قرار يضر إسرائيل بصورة عملية. إلا أن تلك الإدارات ظلت تتحدث – ولو مجرد حديث لفظي- عن حل الدولتين، ومبدأ الأرض مقابل السلام، وتعتبر المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عقبة في طريق السلام، كما ترفض – لفظيا- أيضا الإجراءات الإسرائيلية بضم القدس، ولا تعترف حتى بالسيادة الإسرائيلية على الشطر الغربي من المدينة المقدسة على الرغم من وجود قرار قديم في الكونغرس يدعو إلى نقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب للقدس.
ظلت تلك المبادئ قواعد ثابتة في السياسة الأميركية، حتى جاء دونالد ترامب في ولايته الأولى بين 1916-2020، فحطم هذه الأسس والثوابت وقلب كل شيء راسا على عقب، فكان بحق أكثر رئيس اميركي دعم إسرائيل وخدمها ولبّى مطالب التيارات اليمينية الأكثر تطرفا فيها عبر سلسلة من القرارات اهمها الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية لها، والكف عن اعتبار المستوطنات عقبة في طريق السلام، ثم تبني مقاربة تدعو إلى إعادة النظر في تعريف اللاجئين ليقتصر على الأفراد الذين لجأوا هم أنفسهم في العام 1948، والذين تناقصت أعدادهم تدريجيا بفعل قانون الحياة والموت ليصبحوا بضعة آلاف، ويحرم بالتالي ملايين اللاجئين الفلسطينيين من هذه الصفة. كما حرم ترامب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين من التمويل، وقطع كل أشكال التمويل عن السلطة الفلسطينية، وتبنى الخطة المعروفة بصفقة القرن، التي تتبنى عمليا وجهة النظر اليمينية الإسرائيلية المتطرفة، بنقض مبدأ الأرض مقابل السلام، واعتماد مبدأ السلام مقابل السلام، وبدء التطبيع مع الدول العربية مع تأجيل الموضوع الفلسطيني إلى أجيال قائمة، والاستعاضة عن الحل السياسي بحلول اقتصادية لتحسين حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، أي عمليا التسليم بان الشأن الفلسطيني هو مجرد شان داخلي تديره إسرائيل على هواها ووفق مصالحها الأمنية والسياسية.
كل هذا الدعم الذي قدمته إدارة ترامب لإسرائيل، بالإضافة إلى الجشر الجوي التسليحي والدعم المالي لحروب إسرائيل على غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا وإيران واليمن والعراق وقطر- هناك تقديرات محايدة وموضوعية بأن الدعم المالي والعسكري لإسرائيل زاد عن 75 مليار دولار- اي أن إسرائيل حاربت بأسلحة وذخائر أميركية، وتمويل أميركي حتى للنفقات الاجتماعية والمعيشية التي تطلبتها الحرب، لكن كل ذلك لم يشبع نهم التطرف الإسرائيلي الذي أعمت نشوة القوة بصره وبصيرته، فصار يطمح بالمزيد، ويتعدى الخطوط الحمر – كما حصل في العدوان على قطر- بل إن نتنياهو ظل يفاخر بأنه رئيس الوزراء الإسرائيلي الوحيد الذي استطاع أن يقول “لا” للإدارة الأميركية.
لكن ترامب اتخذ مواقف حازمة فالحرب باتت تضر الولايات المتحدة وتهدد مصالحها، وهو قرر أن تنتهي الحرب وعلى نتنياهو الالتزام، وقرر أن يقبل رد حماس على خطته وعلى نتنياهو الالتزام، وفي جميع الأحوال يملك ترامب وإدارته رؤية واسعة وعالمية للصراع في الشرق الأوسط وعلاقته بالتوازنات السياسية الإقليمية والعالمية، بينما ينظر نتنياهو وساسة إسرائيل من زاوية مصالح إسرائيل المباشرة، ويدرك ترامب أن نتنياهو بات أسيرا لدى شركائه وحلفائه في ائتلاف اليمين المتطرف وبخاصة ايتامار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش، فهل تسمح الولايات لمن هو على شاكلة بن جفير بأن يجر العالم ومعه الولايات المتحدة إلى حيث يقوده تطرفه وهلاوسه التوراتية؟! قطعا لا.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك