الشرع بين تكليف ترامب وتصدّع الداخل
د. محمود عباس
حكومة الجولاني تمضي على طريق التآكل الداخلي، ولو بدا في ظاهر المشهد أنها تمسك بخيوط السلطة بإحكام. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قدّم دعمًا مباشرًا لأحمد الشرع بعد خلعه عباءة “الجولاني”، لم يفعل ذلك بوصفه تبنيًا استراتيجيًا طويل الأمد، بل كخيارٍ وظيفي مؤقت. ومن يقرأ خطاب ترامب الأخير وتصريحات إدارته يدرك أن الدعم ليس تفويضًا مفتوحًا، بل تكليف مشروط. فالرجل الذي يُنصَّب بقرار سياسي يمكن أن يُزاح بالآلية ذاتها، إذا انتهت مهمته أو تعارض بقاؤه مع مصالح من دعموه.
بغض النظر عن التحول الشكلي في شخصية أحمد الشرع، فإن الحكومة السورية الانتقالية دخلت، في تقدير شريحة واسعة من المراقبين، مرحلة هشاشة بنيوية تسبق أي استحقاق خارجي. فالتصدعات الداخلية باتت أكثر خطورة من احتمالات الصدام الإقليمي. تعدد مراكز القرار، تضارب الولاءات، وغياب الانسجام داخل الكتلة الحاكمة، كلها مؤشرات على أن معركة البقاء لن تُحسم في الجغرافيا السياسية، بل في البنية العميقة للنظام ذاته. قد تُعدّل الضغوط الدولية شكل النظام، لكنها لن تُزيح الرجل ما لم تنضج شروط داخلية أو توافقات خارجية أوسع من قرار فردي في البيت الأبيض.
الدعم الذي يحصل عليه أحمد الشرع من ترامب يفتقر إلى الغطاء المؤسسي الواضح من الكونغرس، وهو ما يجعله أقرب إلى استثمار ظرفي منه إلى التزام استراتيجي. فواشنطن، في مقاربتها البراغماتية، لا تدعم الأشخاص بقدر ما تدعم قابلية السلطة لأن تؤدي وظيفة ضمن هندسة أمنية إقليمية محتملة، خاصة في سياق التوتر مع إيران وأذرعها. وعند أي تحوّل كبير في ميزان القوى، سيكون من السهل تسويق الرواية بأن الإدارة الأمريكية “وضعت الرجل في موقعه” لأداء مهمة محددة، وأن المرحلة انتهت بانتهاء الحاجة إليه.
غير أن العامل الأخطر ليس خارجيًا، بل داخلي. فالمسار الذي خفّف التوتر مع بعض المكونات السورية، ولا سيما بعد الاتفاق مع قوات قسد، لم يُنهِ الأزمة، بل نقلها إلى داخل البيت الحاكم. فالإسلام السياسي، حين ينتقل من منطق الدعوة أو القتال إلى منطق الحكم، ينفتح على صراع خفي حول الشرعية، من الأحق بتطبيق الشريعة؟ من يملك حق الإمامة؟ من يمثل “الفرقة الناجية”؟ وهنا تبدأ معركة إعادة ترتيب البيت الداخلي بعد أن تهدأ معارك التوازنات الخارجية.
الأمر لم يعد مقتصرًا على خصوم سياسيين أو عسكريين، بل بدأت أصوات من داخل البيئة المؤيدة نفسها تُبدي تململًا تحت عنوان “حرية النقد” وتصحيح المسار. هذه التحولات، وإن بدت جزئية، تعكس بداية تشكّل تصدعات في الحاضنة الاجتماعية التي شكّلت رافعة السلطة الأولى.
على المستوى المؤسسي، لم يُستكمل بناء مجلس النواب، وبقيت السلطة التشريعية معطّلة، وكأن الحكم ما يزال عالقًا بين منطق الطوارئ ومنطق الدولة. السلطة التنفيذية لم تتبلور كجهاز دولة حديث، بل ظلت أقرب إلى منهجية التنظيم كما كانت في إدارة إدلب، حيث يغلب الطابع الحركي المغلق على العمل المؤسسي. وخلال عام كامل لم يظهر انتظام واضح لاجتماعات وزارية جامعة تُدار فيها السياسات العامة وفق آليات شفافة، ما يعمّق الانطباع بأن الانتقال من مرحلة السيطرة إلى مرحلة البناء لم يكتمل.
في هذا السياق، تبدو وزارة الأوقاف وكأنها تتقدم لتؤدي دورًا يتجاوز اختصاصها التقليدي، فتتحول إلى سلطة معنوية سيادية موازية، تتقدم في التأثير بعد أحمد الشرع وأسعد الشيباني. هذا التداخل بين الديني والسياسي، بدل أن يُحسم دستوريًا، يعيد إنتاج نموذج “الهيئة الحاكمة” أكثر من نموذج الدولة الجامعة، ويقارب في بنيته تجربة ولاية الفقيه في إيران، حيث المرجعية الدينية فوق المرجعية المؤسسية.
التصدع لا يقتصر على العلاقة بين التيارات الدينية والمدنية، بل يمتد داخل التيار الوهابي ذاته، بين قراءات متشددة تستند إلى تأويلات ابن تيمية، وأخرى تميل إلى براغماتية سياسية اضطرارية. هذا الخلاف ليس مجرد تباين فقهي، بل صراع عميق حول تعريف الدولة، هل هي كيان عقائدي مغلق يستمد شرعيته من نصوص جامدة، أم عقد اجتماعي مدني قابل للتطوير والمراجعة؟
منذ اللحظة التي تحوّل فيها الفعل المسلح إلى مشروع حكم، دخلت السلطة اختبارًا مختلفًا. فالحكم ليس استمرارًا للمعركة بأدوات إدارية، بل انتقال إلى منطق الدولة، مؤسسات، قانون، تمثيل، إدارة اختلاف، وبناء ثقة. هنا تتكشف الفجوة البنيوية بين منطق التنظيم ومنطق الدولة، وهو من تصدعات وكوارث الإسلام السياسي. التنظيم يقوم على الطاعة والانضباط العقائدي والهرمية المغلقة، أما الدولة فتقوم على التعدد وإدارة التناقضات ضمن إطار قانوني جامع. وعندما لا تُحسم هذه الفجوة، لا تنفجر الأزمة دفعة واحدة، بل تبدأ أعراض التآكل الصامت في عمق البنية الحاكمة.
الحكومة الانتقالية تحاول في خطابها الخارجي، وفي إدارة بعض المرافق والمعابر والخدمات، أن تقدم نفسها كسلطة مسؤولة قابلة للاعتراف الدولي. غير أن هذا المسار يتعايش مع واقع موازٍ، حيث يهيمن فقهاء العقيدة على دوائر القرار، وتُبنى الذهنية الحاكمة على مفهوم “الجيش العقائدي” لا على عقيدة وطنية جامعة. والنتيجة بنية سلطوية مغلقة تُعيد إنتاج نموذج شمولي جديد، قد يختلف عن نظام البعث في المرجعية والشعارات، لكنه يشابهه في المركزية والانغلاق واحتكار القرار.
وهنا يتجلى التناقض البنيوي الحاسم، دولة حديثة في الشكل، وعقل تنظيم إسلامي متطرف في الجوهر. وهذا التناقض، إن لم يُحسم بإصلاح دستوري ومؤسسي حقيقي، ويفصل بين الدين والدولة، ويلغي سيادة الفقه، سيبقى العامل الأكثر فاعلية في تآكل التجربة من داخلها، قبل أن تسقطها معادلات الخارج أو تبدلها إرادات الحلفاء.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق