نصوص مُثلّجة للبيع..
جديد أنا على هذا العالم، عالم صناعة إنتاج الأدب والثقافة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ذات العلاقة، وحتى الآن ما زلت أقف صامداً في وجه تحدياته ومغرياته ونزعاته التي لم أكن أعلم أثناء مكوثي في الغربة الحديدية وغياهب المعتقلات الصهيونية، أنها قاسية وليست مثالية في بعض مناحيها.
أن يكتب الكاتب/ة نصاً في سبيل نيل جائزة ما، فهذا يعني أن النص بات مُعدّاً كوجبة جاهزة، وعندما نلتُ أنا جائزة البوكر أواسط عام 2024 في أوج عدوان الإبادة الجماعية، التي ما زال شعبي يتعرض لها حتى الآن، تساءلت بيني وبين نفسي ـ أنا الأسير حين ذاك ـ هل كنت أتوخى اصطياد إحدى الجوائز وأهمها أثناء استعدادي لكتابة رواية «قناع بلون السماء»؟ وهل هذا كان هدفي الأسمى؟
لأجيب هناك في غيبة الجب، كما أجيب الآن، وهنا في المنفى أن الكاتب/ة هو وهي من يصنع جائزته وليس العكس، فالجوائز تُعد من أجل تكريم الكاتب/ة وتقديره على إنجازه، وليس من أجل إعادة تكوينه بصورة تحيله إلى صائد جوائز واختزال كينونته الأدبية والإبداعية في إطار الجائزة، ورغم أهمية الجوائز الأدبية بمختلف مستوياتها ودورها المعنوي والمادي، في دعم وتشجيع الكاتب/ة إلاّ أنها ليست هي من يُكوّنه ويمنحه هالة الألق والنجاح والرواج في عالم الأدب والثقافة، إذ وحده النص من يحرس ويأخذ بيد كاتبه في هذا العالم، والأهم أن كلمات الكاتب/ة هي من يقوده ويدخله إلى قلوب ومكتبات القراء.
وفي خضم الالتباس القاضي بضرورة كتابة رواية، أو قصة في سبيل الجوائز، لا تعود الخطوط والدوافع الخاصة بعملية الخلق الإبداعية والأدبية واضحة، ولا تعود الدوافع الساعية نحو إدهاش القراء وإتحافهم بنص جميل ومذهل وأصيل يُمتّع ويُعلّم ويهز، حاضرة بحمولتها الأخلاقية، بل يصبح الهدف مادياً بحتا، بل أنانياً تماماً، خاليا من الخلق النقي والجميل والمبتكر للكلام والكلمات، ويغدو الكاتب/ة في هذه الحالة مجرد موظف كتابة أو رواية، يصحو في الصباح ليقبض على حقيبة يحشو بها كلماته وحبره وأوراقه وحاسوبه، ويمضي نحو وظيفته الكتابية، مستغرقاً في وقت مُؤثث من الحاجة إلى إخماد جشع ورأسمالية دهاليز النشر والكتابة، ليعود في المساء مُحمّلاً بعبء اللامعنى، مرتجفاً من صقيع كلماته، التي باتت أسماكا ولحوما مُثلّجة.
كثيرة هي النصوص بكل تمثيلاتها، التي لم تحصد أي جائزة أدبية، وثمة روايات تستحق أن تُؤسس الجوائز باسمها واسم كاتبها، غير أن حظاً جيداً لم يعبر في نص هذا الكاتب، أو تلك الكاتبة لكي ينال حظوة جائزة تقديراً ودعماً له، فهل هذا يعني بالضرورة أن حياة الكاتب السردية والأدبية توقفت، أو تتوقف عند حد عدم نيله لجائزة أدبية؟ أبداً لأن أعظم الكُتاب والكتابات والروايات تحديداً، عُرفوا وانتشروا بعد رحيلهم، إذ كانوا يكتبون بدمهم وبمعاناتهم، كانوا يكتبون وهم يرتجفون من شدة الجوع والبرد، لا من شدة سرعتهم وعجلتهم وصقيعهم بالكتابة، كانوا يكتبون في سبيل البحث عن معنى لحياتهم، عن جدوى لزمن جميل يجذب الكاتب القارئ من يده إليه، وكانت الكلمة لا تُكتب، بل كانت صرخة تندلع من أعماق الكاتب، لكي يُسمع بها عالما لطالما مال لإغواءات وإغراءات السوق والعرض والطلب، وتلك العتمة التي تخفي تشوهات وقباحة بعض ملامح الإنسانية.
واليوم يجب أن يجيب المثقف/ة والكاتب/ة عن التساؤلات التالية: هل نحن نعيش في زمن طفرة الرواية العربية أم أزمتها؟ وهل ثمة تحول نوعي إبداعي في هذا الكم الهائل من الإصدارات الروائية الأدبية؟ وما هي الدوافع من وراء الغزارة في الإنتاج الأدبي وما الحاجة إليه؟ هذه التساؤلات بحاجة لورشة عمل ضخمة يحتشد بها الكُتّاب الذين يؤمنون بضرورة توفير إجابات تهدف إلى الارتقاء بمستوى الكتابة الإبداعية في العالم العربي، ونزع النوايا الاصطناعية عن قلوب من يتوخّون فقط الجوائز، وكأن الروائي/ة يتوجب عليه أن يولد من رحم جائزة، نحن بحاجة الى إجابات صريحة وواضحة، قد تكفل تأسيس سياق جديد للكتابة الإبداعية يحمي المتكلم والكلام، ويصون أسس الإبداع، لأن هذه الأسس هي من يسهم في بلورة وعي القارئ والقارئة، ومستوى الوعي لعبة خطرة وحقل ألغام، يجب عدم العبث به لكيلا ينفجر بنا جميعا.
( باسم خندقجي/ شاعر وروائي فلسطيني)



إرسال التعليق