الصحافة…من سلطة رابعة كمراقب إيجابي إلى خامسة كمؤثر سلبي

الصحافة…من سلطة رابعة كمراقب إيجابي إلى خامسة كمؤثر سلبي

بشار مرشد

مقدمة:
لم تكن الصحافة يوماً مجرد مهنة لنقل الأخبار، بل كانت مرآة الحقيقة وقد اعتمِدت منذ عقود كـسلطة رابعة؛ حارساً يقظاً يقف على ثغور الحقيقة، ومراقباً إيجابياً يسلط الضوء على زلات وكبوات القوة لتقويمها. كانت وظيفتها أن تكون المرآة التي تعكس الواقع كما هو كإعلام محايد، مهما كان مؤلماً أو مشوهاً.
لكننا اليوم، ونحن نعيش في ذروة العصر الرقمي، نشهد تحولاً دراماتيكياً في جينات هذه المهنة أن صح التعبير. فقد تخلت الكثير من المؤسسات الإعلامية عن ثوب المراقب لترتدي قناع المؤثر السلبي كإعلان ممول، وانتقلت من دور الرقابة على السلطة إلى ممارسة سلطة جديدة مستحدثة من نوع أخطر وهي السلطة الخامسة. هذه السلطة لا تكتفي بنقل ما يحدث، بل تعيد صياغة وعي الشعوب، وتوجه بوصلة الرأي العام نحو أهداف رُسمت في غرف مغلقة، ممولة بأجندات لا تعترف بالحقيقة إلا بمقدار ما تخدم مصلحتها.

الارتهان المالي وحينما تصبح الحقيقة سلعة:
لم يكن تحول الصحافة من مراقب إيجابي إلى مؤثر سلبي وليد الصدفة، بل هو نتيجة طبيعية لارتهان الكثير من المؤسسات الإعلامية لتمويل مشبوه، سواء كان سياسياً أو تجارياً. وفي هذا السياق، سقطت الاستقلالية كأول ضحية، وحلت محلها التبعية.
من كاشف للفساد إلى مُبرر له في أحيانا كثيرة وتحول بعض الصحفيين إلى محامين سلبيين يدافعون عن أخطاء جهات التمويل، ويبررون قراراتها، مستخدمين منابرهم ليس لكشف الحقيقة، بل لطمسها.
متساوقين مع أجندة الممول بدلاً من مصلحة الجمهور حيث أصبح الخبر سلعة تجارية، والمشاهد هو المنتج الذي يتم تشكيله ليتبنى هذه الأجندات، بناءً على ما يخدم نفوذ الممول، وليس بناءً على أهمية الخبر للمواطن.

السلطة الخامسة وآليات التلاعب النفسي:
تلك السلطة التي لا تملك جيوشاً، لكنها تحتل العقول، ولا تصدر قوانين، لكنها تشكل القناعات مزيفة. إنها عملية هندسة للواقع تجعل المشاهد يرى العالم من خلال عدسة ملونة بأجندات الممول، مستخدمة أسلوبين فتاكين
١. الترهيب الموجه وزرع الرعب في قلوب الجمهور من المجهول أو العدو المتوهم عبر تضخيم الأزمات، ليدفع الناس للقبول بقرارات قاسية مقابل الأمان الزائف.
٢. الترغيب الخادع بإيهام الجمهور بأن أجندة الممول هي طريق الخلاص عبر سرديات بطولية مزيفة، لتجييشهم عاطفياً.

الميليشيات الرقمية والذباب الذي يغتال الوعي ويُزور الإجماع:
إن ما يخرج من استديوهات القنوات الموجهة ليس إلا رأس الافعى؛ فالمعركة الحقيقية تدور رحاها في لدغات الفضاء الرقمي القاتلة، حيث تُسخر الأموال لبناء جيوش خفية مهمتها إرهاب الفكر الحر وتزييف الواقع. جيوش الذباب الإلكتروني: عبر آلاف الحسابات الوهمية والمبرمجة والبوتات، فيتم إيهام المشاهد بأن هناك إجماعاً شعبياً حول فكرة معينة، وإغراق الأصوات المخالفة بالتعليقات الهجومية. أو بالحذف أو الحجب
إن الاغتيال الفكري لا يُقتل الشخص جسدياً، بل تُقتل فكرته ومصداقيته عبر حملات منظمة لتشويه صورته، مما يمثل إرهاباً توعوياً يمنعك من الوعي بالحقيقة ويجبرك على الوعي الموهوم.

هندسة الذاكرة الجماعية.. من التبرير إلى التقديس:
إن أخطر مراحل السقوط الإعلامي هي القدرة على جعل الجمهور يصدق الكذبة، ثم يدافع عنها، ثم يقدسها، عبر تكتيكات خبيثة تمييع الحقائق وتؤدي الى إفقاد الجمهور القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين المصلحة الوطنية والأجندة الخاصة.
إن تغيير المواقف الفظ وتبني موقف اليوم، ونقيضه تماماً غداً، دون أي اعتذار، مع محاولة إقناع الجمهور المستهدف بأن الوضع تغير. أما مرحلة التقديس وتصوير الخطأ على أنه حكمة خفية، ورفع مستوى الممول إلى مرتبة المقدس الذي لا يخطئ، مما يجعل انتقاده نوعاً من الخيانة العظمى.

خاتمة:
إن استرداد الوعي هي معركة البقاء في عصر التضليل
فإننا لا نواجه مجرد أخبار كاذبة، بل نواجه منظومة متكاملة لممارسة الاغتيال الفكري لكل من يتمسك بالمنطق، وإرهاباً توعوياً يهدف إلى تدجين العقول.
إن معركتنا اليوم ليست معركة معلومات، بل هي معركة وجود لإنقاذ ما تبقى من وعي إنساني قبل أن يبتلعه غرق التضليل الممول ومواجهة هذا المؤثر السلبي لا تكون بإغلاق الأجهزة، بل ببناء حصانة فكرية تقوم على الشك المنهجي وعدم الاستسلام لهذا التدهور، حيث أن تعدد المصادر، والوعي بآليات الخداع هو المضاد الحيوي للصحافة الحقيقية لتبقى تلك هي التي تنير الدرب، لا تلك التي تُشعل الحرائق لتضيء وجه الممول.

إرسال التعليق