خطة «شمشون» أو «هرمجدون النووي»: حين يُفزع الرعب النووي الإسرائيلي أبناءه قبل خصومه
زياد الزبيدي
في أعقاب “حرب الأيام الإثني عشر» بين إسرائيل وإيران، التي إندلعت في يونيو 2025، عاد الحديث بقوة عن دور النووي الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط. فالكيان الذي طالما إستخدم تهديد “الردع النووي” لترهيب جيرانه، بات اليوم يزرع الرعب النووي في داخله، بين صفوف مواطنيه. هذا الموضوع الحساس كان مدار الحديث في المقال الذي نشره البروفيسور والخبير الاقتصادي الروسي فالنتين كاتاسونوف، رئيس الجمعية الاقتصادية الروسية بتاريخ 13 يوليو 2025 في صحيفة “زافترا”، تحت عنوان “شمشون، أو الخطة الإسرائيلية ب”، يفتح بوابة واسعة للنقاش حول الإنتحار النووي كعقيدة إسرائيلية مضمرة.
أولاً: من حلم “إسرائيل الكبرى” إلى مأزق التوسع النووي
تبنّى كاتاسونوف رؤية ترى في المشروع الصهيوني خطة توسعية طويلة الأمد، تستند إلى نصوص توراتية مثل: «في هذا اليوم قطع الرب مع أبرام عهدًا قائلًا: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات» (سفر التكوين 15:18).
إنطلاقًا من هذه العقيدة، رسم دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، خريطة بديلة لـ”إسرائيل الكبرى” تمتد “من النيل إلى الفرات”. وعلى مدار 77 عامًا، حاول الكيان التوسع تدريجيًا. فمن مساحة 14.1 ألف كم² التي خصصتها له الأمم المتحدة عام 1948، إلى حوالي 27.8 ألف كم² اليوم (تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة). ومع ذلك، يرى كاتاسونوف أن هذا التوسع «لا يسير بسرعة كافية لتحقيق حلم الصهيونية في مدى زمني منظور».
ثانيًا: الخطة “أ” تنهار… فهل يبدأ تنفيذ الخطة “ب”؟
يسمي الكاتب إستراتيجية التوسع الإسرائيلية غير النووية بـ”الخطة أ”، بينما يطلق على البديل الرهيب اسم “الخطة ب”، وهي بحسب قوله: «خطة سرية تسمى رسمياً “خطة شمشون” (Samson), تقوم على الردع النووي عبر التهديد بشن ضربات نووية شاملة كخيار إنتحاري في حال تعرضت إسرائيل للدمار أو قُضي على وجودها».
ينقل كاتاسونوف مضمون هذه الخطة عن كتاب الصحفي الأمريكي سيمور هيرش بعنوان “خيار شمشون: الترسانة النووية لإسرائيل والسياسة الخارجية الأمريكية” (1991)، الذي كشف لأول مرة تفاصيل الترسانة النووية الإسرائيلية، وكيف تم غض الطرف عنها من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عهد آيزنهاور.
الخطة، كما يصفها هيرش، مستلهمة من قصة شمشون التوراتية: «وقال شمشون: فلتُمت نفسي مع الفلسطينيين! وإنحنى بقوته فسقط البيت على الجميع، فكان الذين أماتهم عند موته أكثر ممن قتلهم في حياته» (سفر القضاة 16:30).
ثالثًا: أسلحة “يوم القيامة”… سلاح إبتزاز الحلفاء قبل الخصوم
أشار كاتاسونوف إلى واقعة مفصلية في حرب أكتوبر 1973، عندما هددت غولدا مئير بإستخدام السلاح النووي وتدمير القاهرة ودمشق إذا لم يتم إنقاذ الموقف. هذا التهديد لم يُرعب العرب فقط، بل أصاب واشنطن نفسها بالفزع، ما دفع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون لتقديم دعم عسكري عاجل لإسرائيل، مقابل تراجعها عن قرار الضربة النووية. منذ ذلك الحين، صار “سلاح يوم القيامة” ورقة إبتزاز بيد إسرائيل، ليس فقط ضد أعدائها، بل حتى ضد البيت الأبيض. إذ يقول كاتاسونوف في مقاله: «تعلمت تل أبيب أن تهدد واشنطن مباشرة: إن لم تزودونا بالسلاح، سنضعف عسكرياً، وسنضطر لإستخدام أسلحتنا النووية».
رابعًا: هل يقترب “هرمجدون” من التحقق؟
يحذّر كاتاسونوف من تحوّل الترسانة النووية الإسرائيلية من “درع ردع” إلى أداة تهور إستراتيجي. فالهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران لم يحقق أهدافه، إذ لم يُدمر مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب، والمقدر بـ800 كغ، ما يضع إسرائيل أمام إستحقاق ردع قوى إقليمية أخرى مرشحة للإلتحاق بالنادي النووي، وعلى رأسها: إيران، السعودية، تركيا، وربما الإمارات.
وفي ظل هذه المخاطر، يرى الكاتب أن مناخ الرعب في إسرائيل لم يعد خارجيًا فقط. فالهواجس النووية بدأت تُفزع الإسرائيليين أنفسهم: «في الحرب الأخيرة، عرف سكان تل أبيب لأول مرة ما معنى الصواريخ والطائرات المسيرة التي تأتي من الخارج. واليوم، لم تعد فكرة التبادل النووي مع الجيران خيالاً عندهم».
خامسًا: “خطة شمشون” ترتد على أصحابها
يعرض الكاتب مؤشرات إجتماعية على تزايد الهجرة المعاكسة من إسرائيل، خاصة من قبل الفئات الثرية والمتعلمة. ففي تقرير نشرته صحيفة هآرتس في 18 مارس 2025 بعنوان: «تحول في الشتات اليهودي؟ قرابة مليون شخص مرتبطين بإسرائيل يعيشون خارجها»
كُشف أن مليون شخص من حملة الجنسية الإسرائيلية يعيشون في الخارج، غالبيتهم من الطبقة الميسورة والنخبوية.
يرى كاتاسونوف أن خطة “شمشون” تحوّلت إلى عامل طرد نفسي، يبعث على الهروب لا على الصمود: «الإسرائيليون لا يريدون أن يكونوا أبطالًا مثل شمشون. هم لا يريدون أن يموتوا مع أعدائهم».
خاتمة: هرمجدون… لم تعد مجازاً
يختم الكاتب بدلالات مروعة، لافتًا إلى أن كلمة “أرمجدون” (هرمجدون) التي وردت في سفر الرؤيا كمكان المعركة الأخيرة بين قوى الخير والشر، تقع جغرافيًا في شمال فلسطين غرب مدينة جنين. ولهذا فإن حرباً نووية تنطلق من هناك لم تعد ضربًا من الخيال، بل «باتت إحتمالًا ملموسًا»: «بعد حرب الإثني عشر يوما”، بدأ كثيرون داخل إسرائيل وخارجها ينظرون إلى “هرمجدون النووي” كواقع جغرافي وتاريخي محتمل، لا كرمز ديني فقط».



إرسال التعليق