الرموز السرية القديمة


عيسى الاطرش

أثار رمز ألفا روميو الشهير، الذي يُظهر أفعى تلتهم إنسانًا، موجة واسعة من التساؤلات والجدل عبر مواقع التواصل، خاصة بعد إعادة تداول صور تاريخية ورسومات قديمة تُشبه الرمز بشكل لافت. هذا الشعار، الذي يزين سيارات فاخرة معروفة عالميًا، ليس مجرد تصميم حديث، بل يحمل جذورًا تاريخية وثقافية عميقة تمتد إلى قلب أوروبا في العصور الوسطى.

الجزء الأكثر إثارة في الشعار هو الأفعى الضخمة التي يبدو أنها تبتلع رجلًا بشريًا. هذا المشهد الصادم دفع الكثيرين لربطه بالأساطير، والطقوس القديمة، وحتى الرموز الدينية والسرية. لكن لفهم المعنى الحقيقي، يجب العودة إلى مدينة ميلانو الإيطالية، حيث وُلد هذا الرمز قبل مئات السنين.

الأفعى المعروفة باسم البيسكيوني كانت رمزًا لعائلة فيسكونتي، إحدى أقوى العائلات الحاكمة في ميلانو خلال القرون الوسطى. في ذلك الزمن، لم تكن الرموز تُستخدم للزينة فقط، بل كانت تحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة. الأفعى هنا لم تكن رمزًا للشر المطلق، بل للقوة والسيطرة والحماية. أما الرجل الذي يظهر داخل فمها، فغالبًا ما فُسّر على أنه عدو مهزوم، أو رمز للخضوع بعد الصراع، وليس بالضرورة إنسانًا يُلتهم بمعناه الحرفي.

مع مرور الزمن، أصبح هذا الرمز جزءًا من هوية مدينة ميلانو نفسها، قبل أن تتبناه شركة ألفا روميو عند تأسيسها في أوائل القرن العشرين. اختيار الشعار لم يكن عشوائيًا، بل كان محاولة لربط السيارة بالقوة، والتاريخ، والهيبة، والانتماء لجذور عميقة من المجد الأوروبي.

المثير للاهتمام أن بعض الباحثين ربطوا الرمز أيضًا بصور أقدم ظهرت في حضارات مختلفة، حيث ظهرت الأفعى ككائن يحمل معاني مزدوجة: الموت والحياة، الفناء والبعث، الخطر والحكمة. في الثقافات القديمة، لم تكن الأفعى دائمًا شريرة، بل كانت أحيانًا رمزًا للشفاء والتجدد، كما في الطب القديم.

لهذا السبب، لا يمكن قراءة شعار ألفا روميو قراءة سطحية. هو مزيج معقد من التاريخ والسياسة والأسطورة، أعيد تقديمه في شكل حديث ليحمل هوية علامة تجارية عالمية. وبينما يراه البعض رمزًا مخيفًا، يراه آخرون شهادة على قدرة الرموز القديمة على البقاء والتجدد عبر القرون.

إرسال التعليق