الباطنية الجديدة و كيف قدمت الحداثة العربية قراءاتها المعاصرة

الدكتور علي حليتيم.. هناك قصور في المنجز الإسلامي في القرآن وعلومه
عندما نقرأ الدكتور علي حليتيم و كتابه الباطنية الجديدة، ندرك أننا أمام ظاهرة فكرية ، بل امام وَعْيٍ يتحرك و يتكلم، يُشْعِرُكَ أنك بدأت تعي المفاهيم، يستيقظ فيك كل ما كان مكبوتا، أي أنك أمام حالة عقلية نشطة تتضمن الإدراك المباشر و يقظة الأفكار، تشعر بلذة القراءة، وصلنا إلى الصفحة التي يتحدث فيها الدكتور علي حليتيم عن الحداثة العربية، التي تعادي الإسلام كدين و ثقافة، بل تريد أن تتجاوز الإسلام ، و ترى أنه مجرد موروثٍ ثقافيٍّ أو مُشْتَرَكٍ هُوِيَّاتِيٍّ ، و هو ما تحدث عنه مقدما الطاهرة الشحرورية نموذجا ستكون لنا قراءة عنها لاحقا
و قبل أن نسأل إن كان محمد شحرور وحده يمثل الحداثة العربية؟ ، نحن أغفلنا سؤالا مهما جدا ، كان من المفروض أن نطرحه في بداية قراءة الكتاب، و السؤال هو: قبل أن نقرأ الباطنية الجديدة، ماذا نعرف عن الباطنية القديمة؟ و هل أدركنا مفاهيمها و ألغازها ، كيف نشأت و تأسست، ثم نعرف ماهي مخرجاتها؟، و قد ذكر الدكتور علي حليتيم اسم الشيعة، فالباطنية القديمة كما هو معروف هي مصطلح أطلق على فرق دينية وفلسفية ظهرت في التاريخ الإسلامي ( القرن الثاني الهجري ) تولى أصحابها التفسير الباطني للنص الديني، هي مذهب ينسب للإسماعلية على الخصوص كطائفة شيعية اهتمت بالتفسير الباطني للقرآن ، يحاول بعض الباحثين أن يقنع الناس (القارئ) أن السُنّة وحيٌ، مثلما نقرأه في الفقرة الثانية من الصفحة 123 قوله : ( فدور الوحي ( قرآن و سُنّة) فالوحي ما جاء به جبريل و هو يكلم النبي صلعم، وهي الآيات التي جمعت في كتاب فتحولت إلى مصحف، أما ما أضافه النبي من الأحاديث فهو اجتهادا منه، و القرآن كلام الله و في القرآن ردود على أسئلة أنبيائه و رسله كما في سؤال سيدنا ابراهيم عليه السلام لما سأل ربّه ” أرني كيف تحيي الموتى” ليطمئن قلبه، و قد دار حوار بين الله و نبيه إبراهيم، و في الصفحة رقم 124 أشار الدكتور علي حليتيم إلى الآية الكريمة : ” أفلا يتدبرون القرآن ( سورة محمد 24) هو كلام موجه للذين يقرأون القرآن قراءة سطحية ( إنشائية) دون وعي، فما ذهب إليه محمد شحرور بـ: التعامل مع القرآن الكريم، يراد به كيف نكون متأدبين مع الله و نحن نتلوا كتابه و نتدبر كلامه، فأن نحمل كلام الله بين أيدينا ( أي المصحف) له شروط يلتزم بها المسلم، فهو لا يقرأ قصة أو رواية أو ديوان شعر، بل يحمل كتابا مقدّسا، وهو يقرأ القرآن عليه أن يعي أنه يجلس أمام حضرة الإله ( بالمفهوم البلاغي)، فالقرآن يحمل بين طياته رسالة ربّانية موجهة للبشرية جمعاء.
يلاحظ أن الدكتور علي حليتيم قد أهمل جانبا مهما من التهميش، لشرح بعض المفاهيم المستعصية على بعض القرّاء الذين لا يملكون القدرة الكافية على البحث، كأن يشرح بعض المصطلحات مثل الهرمينوطيقا، التفكيكية و الفيلولوجية، ماعدا هذا المصطلح فقد شرحه في هامش الصفحة 133 من كتابه، و هي تعني أن القرآن يستقي من كتب الأولين، و أن الفيلولوجية ليست سوى توفيدية قديمة أحيتها الحداثة العربية و مصطلحات أخرى أطلقوا عليها اسم مدرسة مثل المدرسة التأويلية Hermeneutics، و الهرمينوطيقا يراد بها التأويل، فهناك مرادفات متعددة تخدم نفس المعنى، خاصة و أن لكل مدرسة مفكريها و هؤلاء لهم منهجية مختلفة، و قد أقرّ الدكتور علي حليتيم بنفسه بوجود قصور في المنجز الإسلامي في القرآن وعلومه وبالتالي من الصعب جدا مواجهة المنجز الحداثي الذي يسمونه “القراءات المعاصرة”، والسؤال الذي يمكن أن نطرحه هو: هل القراءات المعاصرة هي نفسها القراءات الحديثة ؟ و ما هو الفرق بين الحداثة و المعاصرة من منظور فلسفي؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تلاعب بالألفاظ و الكلمات، طالما هذه القراءات المعاصرة كما يقول علي حليتيم ماهي إلا نوع من ” البلطجة ” ( الثقافية و الهراء الإيديولوجي لا غير) و يفهم من كلامه أن كل ما يدور في الساحة الفكرية هو سفسطة، و أن السُذّج يستمعون للسفسطائيين و بلطجتهم، علما أن مفهوم بلطجة (ص129)، ابتكره رجال السياسة في مصر، لكننا نحن الجزائريين نستهلك كل شيء حتى المفاهيم و نوظفها في نصوصنا، كما نلاحظ تكرار عبارة الحداثيين العرب، و لماذا يركز علي حليتيم على محمد شحرور بالذات؟ و هناك من ساروا على نهجه و بالحجة و البرهان.
كنّا نظن أن الشيعة وحدهم يمارسون “التقية” فإذا بالحداثيين العرب يمارسونها و بإتقان و على المكشوف (ص 132)، في هذه الصفحة بالذات يقف القارئ جامدا أمام بعض الأسماء التي تكنُّ عداءً للإسلام، لم نكن نقرأ عنها من قبل ولا نعرف عنها شيئا، ككتابات المفكر السوري زكريا أوزون و كلامه عن الرسول ( صلعم) و طعنه الإمام البخاري (ص133)، لا يسع المجال لذكرها هنا، ولاشك أن كل من بيده نسخة من كتاب الباطنية الجديدة سوف يقف عليها، الحقيقة لجأت إلى محرك البحث google لأبحث عن هذه الشخصية الفكرية فعرفت أنه من بين الذين يطعنون في الإسلام و السُنّة، الذي أدهشني أكثر هو أن معظم المفكرين يحملون شهادات علمية مثل مفكرنا هذا، فهو مهندس قبل أن يكون كاتب و مفكر، و رغم أنه مهندس مشهور ومعروف جداً في أكثر من دولة غربية وعربية، فهو يجعل من الفكر منهجا في حياته، لكن يطغى على فكره النقد المطلق لدرجة أنه يقول أن القرآن انتهت صلاحيته و قد عرضه ذلك للعديد من المضايقات، لا نعرف ماهي إيديولوجية هذا المفكر السوري، و ما هو مذهبه الأصلي، فليس كل مفكر يعبر عن فكرة ما، يمثل مذهبا معينا.
يظل الفكر فكرا و يخضع للتساؤلات و النقاشات و التأويلات، خاصة و أن علي حليتيم يقدم في كتابه مثالا عن ” الشيعة” حين لجأوا إلى اختراع أحاديث من عندهم و نسبوها إلى الإمام البخاري، خاصة ما يدعم ولاية سيدنا علي بن ابي طالب، يشير علي حليتيم في الصفحة 135 كيف استخدم الشيعة أحاديث البخاري من باب التشكيك لتغليط العامة و بالتالي لا يحق لنا أن نصدر أحكاما مسبقة، و نحن لم نقرأ كتب الشيعة الأصلية ، فكل ما يوجد في سوق الكتاب في الجزائر عن الشيعة هي بأقلام سُنّية و قد نهى الشيخ حسن البنّا و كذلك الشيخ محمد الغزالي و الشيخ القرضاوي عن الخوض في هذه المسائل الشائكة، لأنها لا تليق بالمسلمين، و قد ذكر ذلك الدكتور عبد الله بن عبد الله الموصلي في كتابه “حقيقة الشيعة” (صدر عن مكتبة ابن تيمية القاهرة الطبعة الخامسة سنة 1997 )، كما عبّر الشيخ محمد الغزالي في كتابه ” كيف نفهم الإسلام” ص 116 عن سروره لموافقة وزارة الأوقاف المصرية على طبع كتاب أحكام العبادات على مذهب الشيعة الإمامية، و يقول في كتاب آخر ( ظلام من الغرب) : إن كثير من أهل العلم في الأزهر الشريف تكونت لديهم صورة عن الشيعة نسجتها الإشاعات…الخ ، محاولا في ذلك إحداث تقارب بين الشيعة و السُنّة من أجل جمع الكلمة و إشاعة الوئام.
سؤال: هل القراءات المعاصرة أكبر خدعة علمية في تاريخ الإسلام؟
وننتقل إلى الصفحة 141 و ما جاء في الفقرة الثانية، يبدو أن الدكتور علي حليتيم قد أقام محكمة فكرية لمقاضاة الخطاب الحداثي، فقد وصفه بخطاب الفجور، لأنه اعتدى على قداسة النص القرآني تحت غطاء القراءات المعاصرة كاتجاه فكري تجديدي لإعادة تفسير النص القرآني و ليس استبداله أو حذف جزء منه، و من باب التوضيح و رفع اللبس عن بعض أفكار الحداثة العربية نطرح السؤال التالي: هل القراءات المعاصرة أكبر خدعة علمية في تاريخ الإسلام؟، طبعا الحداثة ترفض الطاعة و التقليد، يريد الحداثيون مواكبة العصر و التخلص من التقليد الأعمى، و يمكن أن نقدم مثالا عما جاءت به الكتابات أن أهالي عنزة من واحات نجد التي كانت خاضعة للإمام الوهابي، كتب لهم فيصل بن تركي و هو من حكام آل سعود ، و ذكّرهم بأسس الحياة الاجتماعية في الصحراء فقال لهم: إنه لا يستقيم دين إلا بجماعة و لا تكون جماعة إلا بالسمع و الطاعة للأمير أو الشيخ أو الرئيس، و الطاعة في الملك قائمة على القهر و الغالبة، ومن هذا المنطلق نقول إن الصراع اليوم هو صراع أصوليات، و الأصوليين خصوم ، فبين الذهنية و الوجدان الجمعي الكثير من التشابه، و الذهني كما يقول باحثون سلسلة من النماذج الجاهزة الموروثة و التقليدية الصالحة للسلوك الراهن، والحداثيون و حتى الأصوليون وجدوا النص الديني جاهزا، فمنهم من قلّد و منهم من طالب بإعادة القراءة من باب التجديد و ما يتماشى مع الواقع الراهن و ليس من باب الرفض والإلغاء ، لكن ليس إلى حد التشكيك في كلام الله .
يلاحظ أن بعض الأصوليين يرفضون التوسع في نظرتهم للعالم، و لهم القابلية للانغلاق و الجمود الفكري و هذا ما يمكن وصفه بالتعصب الفكري و الديني، كانت أول كلمة نطق بها جبريل عليه السلام لما ظهر للنبيّ محمّد (ص) هي “اقرأ” ، فو من هنا نقول أن الذي كان يسافر بالأمس على ظهر الجمل ( البعير) ليس كالذي يسافر اليوم جوا أو بحرا، فالحداثة اليوم مرتبطة بالذكاء الاصطناعي أي بالرقمنة بعد ظهور “الروبوت” كآلة مبرمجة، أخذ مكان الإنسان ، و صار يفكر مكانه و يقوم بأعمال كان يقوم بها الإنسان في أزمنة مرّت، الصراع اليوم ليس بين دينين مختلفين ( الإسلام و المسيحية أو الإسلام و اليهودية رغم أنهم أهل كتاب) و بين دولتين أحدهما كافرة و الثانية مسلمة ، الصراع داخلي قد يكون داخل دولة واحدة.
ما هو الحل؟
السؤال الذي طرحه الدكتور علي حليتين كعنوان فرعي في الصفحة 143، كلمة واحدة كتبها علي حليتيم كعنوان فرعي هي “مصالحة” لحقتها علامة استفهام ( ؟) ، و قبل ان نشير إلى الرؤية التي قدمها الدكتور علي حليتيم نسأله هل النخبة الدينية و النخبة الفكرية العربية التي يمكن أن نسميهم بـ: المحافظين، مطالبون على أن يسيروا على نهج نابليون؟ فبعد صراع طويل توصلت المجتمعات الغربية إلى معادلة تعايش بين الدين و الدولة و إلى معادلة لحسم الخلافات في الرأي سلميا، لقد سارع نابليون حين انقلب على حكومة الإدارة ( 1779) لمصالحة الكنيسة كمؤسسة دينية اجتماعية خيرية و تعليمية، و عقد معها عهدا، فمنذ زهور الصحوة الدينية بدأت منذ الثمانينيات القرن الماضي و في حكومة أمريكا تمويل المنظمات الدينية داخل و خارج أمريكا و خلق شراكة بين الدولة و بين الدين ( أنظر كتاب نحو ثورة ثقافية للإمام الصادق المهدي)، نحن إذًا مطالبون بثورة فكرية ثقافية، و في هذا قد يختلف القارئ مع رؤية علي حليتيم فهو يرى العكس، إذ يقول أن القراءة الحداثية نهضويا لم تكون قائمة على فهم التراث و إدراك مُعَوِّقَات النهضة فيه و هي مستحضرة للحضارة الإسلامية و لأدبيات الاستخلاف في القرآن والسُنّة النبويّة التي تدفعنا إلى استاذية العالم و من ثمّ نفكك إشكالاتنا بأنفسنا في سياق سروري ثقافي خاص بنا.
قراءة علجية عيش بتصرف



