قابيل… من الاسم إلى النظام

مهند سري
ليس من اليسير تفسير شيوع اسم قابيل في الذاكرة الإنسانية، ولا في التداول الرمزي، قياسا بندرة هابيل، برغم أن السرد التأسيسي يضعهما على طرفي نقيض، قاتل ومقتول، قوة وعجز، يد مرفوعة وأخرى مسلوبة.
المفارقة لا تكمن في الجريمة نفسها، بل في الانحياز اللاحق لها، في ميل المخيال الجمعي إلى استحضار اسم القاتل، لا بوصفه مدانا، بل بوصفه حاضرا، فاعلا، وقادرا على ترك أثر.
قابيل، في هذا المعنى، لم يعد اسما لشخص، بل تحول إلى أنموذج أولي للسلطة.
أما هابيل، فقد بقي رمزا أخلاقيا منزوع الفاعلية، صالحا للوعظ، لا للحكم، ومنذ تلك اللحظة الأولى في السجل البشري، بدأ التاريخ يميل لا إلى البراءة، بل إلى من يملك القدرة على كسرها.
هذا الميل لا يفسر فقط بغرائز العنف، بل بمنطق أعمق: الانحياز إلى منطق القوة بوصفه طريق البقاء. فالمجتمعات، كما الدول، لا تحتفظ طويلا برموز الضعف، حتى وإن كانت على حق.
إنها تفضل من يحسم، لا من يتردد..من يفرض،لا من ينتظر.
ومن هنا، لا يعود السؤال: لماذا نسمي أبناءنا قابيل؟
بل: لماذا صار العالم كلّه يُدار بعقل قابيل؟
في السياسة الدولية، يتكرر المشهد ذاته على نطاق كوني.
الدول العظمى لا تكافئ هابيل، ولا تحميه، ولا تتبنى منطقه، بل تستعمله خطابا أخلاقيا حين يناسب مصالحها، ثم تتخلّى عنه عند أول اختبار قوة.
أما قابيل، فتمثله الدول التي تحسم بالصواريخ، تفرض بالإكراه، وتعيد كتابة الشرعية بعد أن تُنجز فعلها.
القانون الدولي، في كثير من الأحيان، ليس سوى لغة هابيلية تُستعمل لتبرير أفعال قابيلية.
حقوق الإنسان تُستدعى بعد القصف، لا قبله.
السلام يُطرح بوصفه نتيجة للقوة، لا بديلا عنها.
هكذا، يتحوّل هابيل إلى ذكرى جميلة، فيما يصعد قابيل إلى موقع الإدارة العالمية.
ليس لأن قابيل على حق، بل لأنه الأقدر على البقاء في نظام دولي لا يعترف إلا بالمنتصر.
وعليه، فإن شيوع قابيل ليس خطأً لغويا ولا مصادفة ثقافية، بل انعكاس لاختيار حضاري طويل: اختيار الانحياز إلى القوة، حتى وهي مدانة، والارتياب من البراءة، حتى وهي صادقة.
إنه اختيار يُعاد إنتاجه في السياسة، في الاقتصاد، وفي الحروب، حيث يُكافأ من يقتل بذكاء، ويُهمش من يموت ببراءة.
وهكذا، لا يزال قابيل يُسمّى…
لا لأنه القاتل الأول فقط، بل لأنه الأنموذج الذي لم يغادر الحكم بعد.



