البيولوجيا السياسية: آليات السلطة على الجسد والحياة في الدولة الحديثة

د.حمدي سيد محمد محمود
برز مفهوم البيولوجيا السياسية (Biopolitics) في قلب الفكر الفلسفي والسياسي الحديث بوصفه أداة تحليلية لفهم كيفية تداخل السلطة مع الحياة، لا فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل من خلال مراقبة الجسد، وتنظيم الصحة، وضبط السكان. وقد اقترن هذا المفهوم في الأساس بأعمال ميشيل فوكو، الذي قدّم تحليلاً راديكاليًا للكيفية التي تتحول بها السلطة من شكلها التقليدي السيادي إلى سلطة تُمارس عبر الحياة ذاتها، على ما يسميه بـ”الحياة العارية” (bare life).
في البيولوجيا السياسية، لا يُنظر إلى الإنسان ككائن قانوني أو سياسي فحسب، بل ككائن بيولوجي يمكن تنظيمه، ضبطه، مراقبته، وتحسينه. لقد انتقلت السلطة في المجتمعات الحديثة من كونها سلطة تُقرر الموت أو الحياة عبر الإعدام أو العفو، إلى سلطة “تجعل المرء يعيش وتتركه يموت”، كما يقول فوكو. وهي سلطة تُمارس من خلال المؤسسات الطبية، الإحصائية، التربوية، والأمنية، وتُعيد إنتاج أشكال الهيمنة عبر تنظيم أجساد الأفراد ومراقبة صحتهم، سلوكهم الجنسي، خصوبتهم، أعمارهم، وتوزيعهم السكاني.
من السيادة إلى البيو-سلطة: تحول جوهري في ممارسة القوة
شكلت البيولوجيا السياسية نقطة تحول في فهمنا لطبيعة القوة. ففي حين كانت السلطة السيادية القديمة تقوم على الحق في القتل، فإن السلطة البيولوجية لا تهدف إلى القتل المباشر بقدر ما تهدف إلى إدارة الحياة، واستدامتها، والتحكم في مجرياتها. يظهر ذلك في سياسات الصحة العامة، ونظم الرعاية الطبية، وبرامج التطعيم، وسياسات الولادة، وضبط الأمراض، بل وحتى في برامج الرياضة والتغذية.
ومع هذا التحول، لم تعد السلطة تُمارَس على الأفراد بوصفهم رعايا، بل كـ”أجساد قابلة للحساب”، ككيانات يمكن تحليلها إحصائيًا، وتصنيفها، وتوجيهها. وبذلك تصبح السياسات البيولوجية وسيلة لإنتاج ما يسميه فوكو بـ”السكان”، بوصفهم هدفًا للتحكم والمعرفة في آن. وتُمارَس هذه السلطة على مستويين: على مستوى الأفراد، من خلال ما يُعرف بـ”تقنيات الذات” أو “الانضباط”، وعلى مستوى الجماعات، من خلال “آليات التنظيم السكاني”.
الجسد السياسي: بين السيطرة والتمكين
في قلب البيولوجيا السياسية يكمن الجسد، لا كمجرد كيان فيزيائي، بل كمنطقة للتدخل السياسي، ووسيط بين الفرد والدولة. فالجسد، الذي كان في السابق يُعتبر منطقة خاصة أو بيولوجية محضة، أصبح الآن ساحة سياسية بامتياز. ومن خلال ضبط الجسد، تتمكن الدولة من تطويع المواطن، وتوجيهه نحو أنماط سلوكية متوقعة ومرغوبة.
إن السياسات الصحية والجنسانية، على سبيل المثال، لا تُعبر فقط عن رغبة في “العناية” بالمواطن، بل تخفي في جوهرها آليات مراقبة وسيطرة. وقد انتقد العديد من المفكرين هذا التوسع في منطق البيولوجيا السياسية باعتباره يؤدي إلى “طبْيَنة” (medicalization) الحياة، أي إخضاع كل سلوك فردي لمعايير طبية وأخلاقية تفرضها السلطة.
الاستخدامات المعاصرة: من الرقمنة إلى الجائحة
في السياقات المعاصرة، خاصة في ظل الثورة الرقمية، تتخذ البيولوجيا السياسية أشكالًا أكثر تعقيدًا وتغلغلًا. فمع انتشار الأجهزة الذكية، وسجلات الصحة الرقمية، وتحليل البيانات الحيوية، باتت السلطة قادرة على تتبع المواطن بيولوجيًا في الزمن الحقيقي. ولم تعد البيانات البيولوجية تخص الطب فقط، بل أصبحت سلعة سياسية واقتصادية، تُستخدم في تحديد السياسات، أو حتى في التمييز بين الأفراد.
وقد شكلت جائحة كوفيد-19 لحظة كاشفة لعمق البيولوجيا السياسية في العالم المعاصر، حيث برزت آليات السيطرة على الأجساد، وحظر التنقل، وتطبيق إجراءات التباعد، بوصفها أدوات لضبط الحياة والحفاظ عليها، ولكن في الوقت نفسه أدوات لـ”إدارة الخوف” ومأسسة الخطر.
نقد البيولوجيا السياسية: نحو بدائل تحررية
لم يخلُ مفهوم البيولوجيا السياسية من النقد. فبعض المفكرين، وعلى رأسهم جورجيو أجامبن، ذهبوا إلى أن الدولة الحديثة تُقيم سلطتها على استثناء دائم، حيث يصبح “الحياة العارية” هي الموضوع النهائي للسلطة: جسد مجرد من الحقوق، موضوع للقتل أو الإهمال باسم الحفاظ على النظام. ويدعو أجامبن إلى تجاوز هذه الثنائيات بين الحياة والسلطة، والبحث عن فضاءات مقاومة جديدة.
كما يرى مفكرون آخرون أن البيولوجيا السياسية قد تُوظف في مشاريع تحررية، مثل السياسات البيئية، أو العدالة الصحية، أو السياسات النسوية التي تكشف التحيزات الذكورية في فهم الجسد والسلطة.



