الحرب ضد إيران كضربة للمبادرة الصينية -الحزام والطريق-

ترجمة وتحليل: د. زياد الزبيدي
في خضم الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، والتي إندلعت في يونيو 2025، لا يمكن تجاهل الأبعاد الجيوسياسية العميقة التي تجاوزت مجرد تبادل الضربات العسكرية.
أحد أبرز هذه الأبعاد هو تهديد الحرب للمشاريع الصينية الكبرى، وعلى رأسها مبادرة “الحزام والطريق”، التي تُعد إيران نقطة محورية فيها. تسلط هذه الدراسة الضوء على أثر الحرب على المشروع الصيني، مستندة إلى تقرير تحليلي كتبه الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الروسي دميتري نيفيودوف في موقع “مؤسسة الثقافة الاستراتيجية” بتاريخ 26 يونيو 2025، وتتناول الجوانب الجيوإقتصادية والعسكرية والدبلوماسية المرتبطة بالصراع.
أولًا: التصعيد العسكري وتهديد المبادرة الصينية
“بلا أدنى شك، فإن التصعيد المسلح في يونيو يشكل تهديدًا مباشرًا للمشاريع الصينية الطموحة في أوراسيا.”
تشير الأحداث إلى أن الحرب لم تكن مجرد تصعيد عابر، بل شكّلت تحديًا إستراتيجيًا لمشروع “الحزام والطريق” الذي يُعيد رسم شبكة الطرق التجارية بين الصين وأوروبا عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ومن أبرز تجلياته:
-بدء تشغيل قطار شحن منتظم بين الصين وإيران منذ أواخر مايو 2025، حيث سلك القطار طريقًا يمر عبر شيان – أورومتشي – جمهوريات آسيا الوسطى – وصولًا إلى ميناء “أبرين” البري قرب طهران.
-إختصار زمن نقل البضائع من 30–40 يومًا بحرًا إلى 15–16 يومًا برًا.
-تنفيذ المشروع ضمن إطار إتفاق إستراتيجي بين بكين وطهران بقيمة 400 مليار دولار وقّع في 2021.
ثانيًا: تعزيز موقع إيران كمحور لوجستي
“إطلاق هذا المسار يعزز من موقع إيران كدولة عبور، وهو أمر مهم خاصة في ظل جمود المشروع الهندي في ميناء تشابهار.”
يمثل الخط الحديدي العابر بين الصين وإيران نقطة تقاطع مع ممر “شمال – جنوب” ويؤسس لنظام نقل يربط الصين بتركيا وأوروبا مرورًا بإيران، بما يشمل:
-مسار أورومتشي – ألماتي – بيشكيك – طشقند – عشق آباد – مشهد – طهران بطول 11 ألف كم.
-لقاء 12 مايو 2025 في طهران بين مسؤولي سكك الحديد من ست دول إتفقوا على توحيد التعرفة وتوسيع الممر نحو أوروبا.
-إمكانية ظهور “حلقة لوجستية أوراسية” تربط الصين بباكستان – إيران – روسيا – تركيا.
ثالثًا: المشروع النفطي المرتبط بالخط الحديدي
“هناك معلومات عن مشروع أنبوب نفط إيراني – صيني بمحاذاة خط السكك الحديدية، بقدرة أولية 15 مليون طن سنويًا.”
تم الإتفاق مبدئيًا على تمويل 70% من المشروع من الجانب الصيني. وقد يمكّن هذا المشروع إيران من تصدير النفط إلى الصين بطرق برية آمنة، بعيدًا عن التهديدات البحرية مثل مضيق ملقا، حيث تنتشر القوات البحرية الأمريكية.
رابعًا: موقف الصين الداعم لإيران
“منذ الساعات الأولى للعدوان، إتخذت بكين موقفًا واضحًا يدين أي هجمات على أهداف مدنية، ويدعو لحلول سياسية.”
-الموقف الصيني كان داعمًا لإيران في مواجهة الضربات الإسرائيلية – الأمريكية:
-تحذير صحيفة Global Times لواشنطن من “تكاليف بشرية وإقتصادية وسياسية”، مشيرة إلى كارثتي أفغانستان والعراق.
-إدانة الصين لضربة أمريكية على موقع نووي إيراني يخضع لإشراف وكالة الطاقة الذرية.
-تصريح وزير الخارجية وانغ يي بأن “أي إستخدام للقوة ضد إيران إنتهاك غير مقبول للقانون الدولي”.
خامسًا: الأبعاد الأمريكية والنية لتعطيل المبادرة
“إذا لم تستطع واشنطن إيقاف المشروع بالعقوبات، تلجأ إلى الوسائل العسكرية على طريقة الإمبريالية القديمة.”
يبدو أن الضربات الإسرائيلية – الأمريكية على البنى التحتية الإيرانية كانت تهدف أيضًا إلى عرقلة هذا المشروع الحيوي. فبحسب التقرير:
“ترامب أشار إلى أن وقف إطلاق النار يسمح “للصين بشراء النفط الإيراني، وربما أيضًا الأمريكي”.
الإحتمال قائم بأن تسعى واشنطن في أي مفاوضات قادمة إلى إجبار طهران على التخلي عن التعاون مع الصين في مجالات النقل والطاقة وغيرها.
سادسًا: بوادر شراكة عسكرية أعمق بين إيران والصين
“قيام وزير الدفاع الإيراني بزيارة رسمية إلى بكين في خضم الأزمة مؤشر على مرحلة جديدة من التعاون العسكري.”
زار وزير الدفاع الإيراني عزيز ناصيرزاده الصين، وإطّلع على الطائرة الصينية J-10C التي أثبتت كفاءتها في المواجهات الأخيرة بين الهند وباكستان. وقد يشير هذا إلى:
-سعي إيران لشراء مقاتلات متعددة المهام لتعويض ضعف سلاحها الجوي الموروث من العهد الشاهنشاهي.
-إمكانية تكاملها مع منظومات الدفاع الجوي الأرضية لخلق شبكة ردع فعالة.
-عرقلة مخططات “الضربات الجراحية” التي إعتادت إسرائيل شنها ضد المواقع الإيرانية.
الخلاصة
الحرب الأخيرة لم تكن مواجهة محدودة بين إيران وإسرائيل فحسب، بل شكّلت أيضًا ضربة مباشرة لمبادرة الحزام والطريق الصينية. فالهجوم على إيران هو في جوهره محاولة لقطع الشريان البري الجديد بين الصين والشرق الأوسط وأوروبا، والذي يمثل تهديدًا وجوديًا للهيمنة الغربية المستندة إلى الطرق البحرية الخاضعة للسيطرة الأمريكية.
تدرك بكين وطهران جيدًا هذا البُعد، ومن ثم فإن تعميق التعاون الإقتصادي والعسكري بين الطرفين يبدو حتميًا في مواجهة التهديدات. وفي حال مضت إيران قدمًا في شراء أنظمة تسليح متطورة من الصين، فإن خريطة ميزان القوى الإقليمي قد تشهد تغيرًا دراماتيكيًا، تكون له تداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأمن والطاقة والتجارة في أوراسيا.



