آخر 20 سنة قبل انهيار الاتحاد السوفيتي
منير عباس
في عهد ليونيد بريجنيف (1964–1982) دخل الاتحاد السوفياتي مرحلة توصف غالبًا بأنها الأكثر استقرارًا سياسيًا، لكنها في الوقت نفسه كانت من أكثرها جمودًا على المدى البعيد. فقد جاء بريجنيف إلى السلطة بعد إزاحة نيكيتا خروتشوف، حاملاً وعدًا غير معلن بإيقاف الهزات السياسية والتجارب الإصلاحية المتسرعة، وإعادة الاعتبار لدور الحزب والدولة البيروقراطية. غير أن هذا الاستقرار الظاهري أخفى في داخله أزمة عميقة ستنفجر آثارها لاحقًا.
داخليًا، اعتمد بريجنيف على ترسيخ حكم جماعي شكلي، لكنه في الواقع عزز سلطة النخبة الحزبية القديمة، ما أدى إلى شيخوخة القيادة وانغلاقها على نفسها. أصبحت المناصب العليا شبه ثابتة، وتحوّل الولاء للحزب إلى معيار أساسي للترقية بدل الكفاءة. هذا الجمود الإداري خلق بيروقراطية ضخمة غير قادرة على التجديد أو الاستجابة لمتطلبات المجتمع، وأسهم في تآكل ثقة المواطن السوفياتي في قدرة النظام على التطور.
اقتصاديًا، حقق الاتحاد السوفياتي في بدايات عهد بريجنيف استقرارًا نسبيًا وتحسنًا في مستوى المعيشة مقارنة بمرحلة ستالين وخروتشوف، خاصة في مجال السكن والضمان الاجتماعي. لكن هذا التحسن كان محدودًا ومبنيًا على اقتصاد موجه يعاني من ضعف الإنتاجية وسوء توزيع الموارد. غياب الإصلاحات الهيكلية، والخوف من أي تغيير قد يهدد سلطة الحزب، أدّيا إلى ما سُمّي لاحقًا بـ«الركود الاقتصادي»، حيث تباطأ النمو وتفاقمت مشكلات نقص السلع والفساد.
على المستوى الاجتماعي والثقافي، انتهج بريجنيف سياسة محافظة هدفت إلى ضبط المجتمع أكثر من تطويره. جرى الحد من حرية التعبير، وملاحقة المعارضين والمثقفين المستقلين، وفرض رقابة صارمة على الإعلام والفنون. صحيح أن هذه السياسة حافظت على هدوء داخلي نسبي، لكنها في المقابل عمّقت الفجوة بين الدولة والمجتمع، وأنتجت حالة من اللامبالاة السياسية لدى قطاعات واسعة من الشعب.
أما في السياسة الخارجية، فقد بلغ الاتحاد السوفياتي في عهد بريجنيف ذروة قوته العسكرية والنفوذ الدولي. تبنى مبدأ «التعايش السلمي» مع الغرب مع الاستمرار في سباق التسلح، ونجح في توسيع نفوذه في أوروبا الشرقية والعالم الثالث. غير أن هذا التوسع كان مكلفًا اقتصاديًا وسياسيًا، خاصة مع التدخل العسكري في تشيكوسلوفاكيا عام 1968، ثم غزو أفغانستان عام 1979، الذي مثّل نقطة تحول سلبية وأظهر حدود القوة السوفياتية.
يمكن القول إن مشكلة عهد بريجنيف لم تكن في غياب الإنجازات، بل في غياب الرؤية المستقبلية. فقد فضّل النظام الحفاظ على الوضع القائم بدل معالجة أزماته البنيوية، مؤجلاً الانفجار بدل منعه. هذا الخيار جعل الاتحاد السوفياتي يبدو قويًا من الخارج، لكنه هشّ من الداخل، وغير قادر على التكيف مع عالم يتغير بسرعة.
شكّلت ظاهرة المحلات الفارغة إحدى أكثر الصور دلالة على التناقض العميق في الاتحاد السوفياتي خلال عهد بريجنيف. فعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي كان يتحدث عن «الاستقرار» و«تحسن مستوى المعيشة»، اصطدم المواطن السوفياتي يوميًا بواقع اقتصادي مختلف، يتمثل في رفوف شبه خالية، وطوابير طويلة للحصول على سلع أساسية كاللحم، السكر، الزبدة، وحتى الصابون في بعض الفترات.
لم تكن المحلات الفارغة نتيجة فقر مطلق في الموارد، بل ثمرة مباشرة لخلل بنيوي في الاقتصاد المخطط مركزيًا. فقد عجزت الدولة عن مواءمة الإنتاج مع الطلب الفعلي، بسبب أرقام إنتاج شكلية، وسوء توزيع، وبيروقراطية ثقيلة تفضّل تحقيق الأهداف الورقية على تلبية حاجات المستهلك. وهكذا، كان الإنتاج يُعلن عنه كنجاح في التقارير الحزبية، بينما يفشل في الوصول إلى المتاجر والأسواق.
ومع تعمّق الركود في السبعينيات، تحولت الندرة إلى جزء من الحياة اليومية، ما ساهم في انتشار السوق السوداء، والاعتماد على العلاقات الشخصية والرشوة للحصول على السلع. أصبح «من تعرف» أهم من «ما تحتاج»، وهو ما قوّض أحد الشعارات الأساسية للنظام السوفياتي، أي المساواة الاجتماعية، وخلق شعورًا متزايدًا باللاعدالة والمرارة بين المواطنين.
في أواخر عهد بريجنيف، تحوّل الرجل الذي حكم الاتحاد السوفياتي لما يقارب عقدين إلى رمز حيّ لأزمة النظام نفسه. فقد تدهورت صحته بشكل واضح منذ منتصف السبعينيات، حيث عانى من أمراض مزمنة شملت مشاكل في القلب وتصلب الشرايين، إضافة إلى ضعف شديد في التركيز والكلام. أصبحت خطاباته متثاقلة ومتقطعة، وكثيرًا ما كان يقرأ نصوصًا أُعدّت له دون قدرة حقيقية على الارتجال أو المتابعة، ما جعل ظهوره العلني مثار تعليقات داخلية وسخرية مكتومة بين المواطنين والنخبة على حد سواء.
هذا التدهور الصحي فتح الباب أمام تحوّل بريجنيف تدريجيًا إلى واجهة رمزية أكثر منه قائدًا فعليًا. فقد انتقلت السلطة الفعلية إلى الدائرة الضيقة المحيطة به داخل المكتب السياسي، من مسؤولين وأجهزة أمنية كانت تدير شؤون الدولة باسمه، مع الحرص على الإبقاء عليه في موقعه حفاظًا على توازنات النظام واستمرارية الشرعية. في هذه المرحلة، لم يعد القرار السوفياتي نابعًا من رؤية موحدة، بل من مساومات بيروقراطية بين مراكز قوى متنافسة، ما زاد من الشلل السياسي وعمّق حالة الركود.
تعكس هذه المرحلة كيف أصبح بريجنيف، في نهاية حكمه، أشبه بـ«دمية سياسية» يُستثمر وجودها لإخفاء عجز النظام عن التجديد أو تداول السلطة. فبدل مواجهة مسألة الخلافة والإصلاح، فضّلت القيادة السوفياتية إدارة الأزمة عبر الإبقاء على زعيم عاجز، وهو ما كشف هشاشة البنية القيادية للدولة. وهكذا لم يكن تدهور صحة بريجنيف مسألة شخصية فحسب، بل تحوّل إلى عامل سياسي أسهم مباشرة في تعميق أزمة الاتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة.



إرسال التعليق