تعاليق حرةتقاريرتقارير وأخبار

انكشاف الأقنعة.. سقط السحر وبقي الدجل

رشيد مصباح (فوزي)

مرحبًا بكم في زمن لم يعد فيه شيء قابلًـا للإخفاء.

نحن في عصر الشفافية القسرية، والانفتاح الفوضوي على العالم، حيث سقط احتكار الصورة والخبر، وانتهى زمن السحر السياسيّ الذي كان يُمارَس على الشعوب وهي مغمضة العينين، تُساق كالقطيع.

في عصر الهواتف الذكية، لم تعد الحقيقة حكرا على غرف الأخبار ولا على وزارات الدعاية، ولم يعد في وسع أي نظام أن يفرض روايته دون أن تُفضَح تناقضاتها خلال دقائق.

ورغم كل ما يُقال عن مواقع التواصل الاجتماعي، من استهزاء وانتقاص، فإنها، شئنا أم أبينا، تحوّلت إلى أداة كاشفة تفضح الأكاذيب، وتعرّي الألاعيب التي تصنعها الأنظمة حين تفشل في الداخل فتصدر أزماتها إلى الخارج.

ما يحدث اليوم في العالم، من توتّرات مفتعلة ونزاعات مصنوعة على المقاس، لا يخدم الشعوب في شيء. سواء تعلّق الأمر بالخلاف الجزائريّ المغربيّ حول الصحراء الغربية، أو بمغامرات الولايات المتحدة في فنزويلا وغرينلاند، أو بما يجري في سوريا بعد السقوط المفاجئ لنظام بشار الأسد، وما أثاره ذلك من ارتباك إقليمي وغضب مكتوم لدى أطراف إقليمية كإيران وإسرائيل…كل ذلك لا يعني المواطن البسيط في شيء، ولا يضيف له أمنا ولا خبزا ولا كرامة.

إنه عالم يُدار بمنطق الإلهاء؛ أزمات تُفجَّر، وملفات تُحرَّك، وصراعات تُضخَّم، فقط لصرف أنظار الملايين عن الأسئلة الحقيقية:

من ينهب؟

-من يفشل؟

من يقمع؟

ومن يدفع الفاتورة؟

بل إن ما نشهده اليوم من دجل سياسيّ وإعلاميّ، يكاد يطابق أوصاف “الدجّال” كما وردت في المخيال الدِّيني:

عينٌ واحدة تراقب، وسردية واحدة تُفرض، ونظام عالميّ يُمهَّد له تحت غطاء الفوضى.

ليس الهدف سوى تشتيت الانتباه، وتعطيل الوعي، ومنع الشعوب من التدخّل في مصيرها.

الحقيقة الصادمة أن كثيرا من الأنظمة ترى في شعوبها قطيعا يجب ضبطه وتسييره، أو عبئا يجب التخلّص منه.

وحين تفشل في تقديم حلول حقيقية، تلجأ إلى أقدم الحيل؛ الترهيب و التخويف وممارسة أساليب الكذب والدجل، بصناعة العدو، لتبرير القمع والاستبداد.

ولأن وسائل المعرفة الحديثة كسرت هذا الاحتكار، لم تجد هذه الأنظمة سوى محاربتها:

ترامب، مثلًا، لم يجد وسيلة لصرف انتباه الأمريكيين عن الفضائح والأزمات الداخلية سوى افتعال أزمات خارجية، من تهديد فنزويلا إلى التلويح باحتلال غرينلاند، وصولًـا إلى التصعيد مع إيران.

وفي الجهة المقابلة، لم يجد نظام الملالي في إيران حلّـا لموجات الغضب والاحتجاج الداخلي سوى قطع الإنترنت، الشريان الوحيد الذي ينقل الحقيقة لحظة بلحظة.

ولخطورة هذه الوسائل، لجأت أنظمة الدجل إلى جيوشها الإلكترونية، وما يُعرف بـ”الذُّباب“، لتشويش الحقيقة، وتلويث النقاش، وإغراق الفضاء العام بالتفاهة والضّجيج.

ما يحدث اليوم ليس فوضى عشوائية، بل إرهاصات نظام عالمي جديد؛ نظام يُبيح كل الوسائل للسيطرة على الجماهير، ويبقيها داخل ”حظائر الطاعة“، بينما تُنهَب خيراتها بافتعال الأزمات. وباسم الأمن والاستقرار، والخطر الدّاهم.

لكن الفارق هذه المرة أنّ السحر انكشف… ولم يبقَ سوى الدجل، عاريّا، بلا قناع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى