في الواجهةمجتمع

البحث العلمي بين التقدم والتحديات الأخلاقية

يُعد البحث العلمي الطبي (Medical Scientific Research) في مصر جزءًا حيويًا من النظام الصحي والتعليمي، حيث تساهم الجامعات والمستشفيات الجامعية في إنتاج آلاف الدراسات سنويًا، خاصة في مجالات مثل الطب السريري، الأورام، والأمراض المعدية. مصر تحتل مركزًا متقدمًا في عدد المنشورات الطبية في المنطقة، مدعومة بمبادرات مثل البنك المعرفي المصري (Egyptian Knowledge Bank) الذي يوفر الوصول إلى قواعد بيانات عالمية ويشجع النشر في مجلات مرموقة.
ومع ذلك، يواجه هذا المجال تحديات كبيرة تتعلق بـ النزاهة البحثية (Research Integrity). وفقًا لقاعدة بيانات Retraction Watch، تحتل مصر المرتبة الأولى في إفريقيا من حيث عدد حالات سحب البحث (Retractions) في الأوراق الطبية، وتأتي ضمن أعلى الدول في الشرق الأوسط. دراسات حديثة (مثل تلك المنشورة في Journal of Medical Internet Research عام 2025) تشير إلى أن نسبة السحب في الطب المصري تصل إلى حوالي 0.21% نسبة إلى إجمالي المنشورات، مما يضعها ضمن الدول ذات النسب المرتفعة نسبيًا مقارنة بحجم الإنتاج (مع دول مثل إثيوبيا 0.35%، السعودية 0.25%، والعراق 0.24% في نفس المجال).
أسباب سحب البحث (Retraction) الشائعة تشمل التزوير (Fabrication)، التلاعب بالبيانات (Falsification)، السرقة الأدبية (Plagiarism)، والنشر المكرر (Duplicate Publication)، بالإضافة إلى مشكلات أخلاقية مثل عدم الحصول على موافقة لجنة الأخلاقيات (Ethics Committee Approval). دراسة نشرت في Journal of Academic Ethics (2024) حللت حالات السحب من مؤسسات مصرية طبية، وأظهرت أن الجامعات مثل جامعة المنصورة تتصدر نسب السحب نسبيًا، بينما تكون جامعة القاهرة أقل نسبيًا، مع زيادة مستمرة في الحالات على مر السنين.
وفقًا لإرشادات لجنة أخلاقيات النشر (Committee on Publication Ethics – COPE) ومكتب النزاهة البحثية (Office of Research Integrity – ORI)، يجب أن تكون المسؤولية فردية عن الانتهاك، مع تحقيق مؤسسي شفاف يحدد المخالف، ويوقع عقوبة حقيقية عليه (كالفصل أو الحرمان من الترقيات)، ويصدر وثيقة براءة (Clearance Letter) للباحثين غير المتورطين ليحميهم من القوائم السوداء أو التشويه المهني.
في الواقع المصري، غالبًا ما تفتقر الجامعات إلى آليات تحقيق صارمة؛ التحقيقات نادرة أو تُدار بالتعتيم والمجاملة، خوفًا من “كشف السلبيات” أو بسبب دعم بعض الباحثين المؤثرين. هذا يترك المخالف حرًا يعيد المخالفة، ويُعرض الباحثين الأمناء للشائعات والضرر المهني دون حماية رسمية، مما يضعف الثقة في البحث المصري دوليًا ويحد من فرص التمويل والتعاون.
الحل يكمن في تبني معايير COPE وORI بإرادة إدارية قوية: تحقيقات شفافة، عقوبات حقيقية، ووثائق براءة رسمية. بدون ذلك، سيظل الانتهاك يستفحل، والضرر يقع أكثر على النزيهين، رغم الإمكانيات الكبيرة التي يمتلكها البحث الطبي المصري.

د محمد إبراهيم بسيوني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى