تعاليق حرةتقاريرتقارير وأخبار

تمايز مالك بن نبي في فن الحضارة عن المسيري والسيد وغيرهم.

موسى عزوق تمايز مالك بن نبي في فن الحضارة عن المسيري والسيد وغيرهم.

في مقدمة كتابه منهج الحضارة الانسانية في القران[1] ، يذكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في حديثه بان كل الكتاب الذين كتبوا عن الحضارة الإسلامية غلب عليهم الجانب الشكلي الوصفي للمنجزات السابقة واعجابا بمظاهرها واثارها وهذا يولد مشكلة بل معضلة التساؤل الذي يطرح عن سبب ادبار تلك الحضارة بعد اقبال ؟ وهذا بدوره يولد موجة اكبار وحتى انكار لان هذا السؤال مشروع والجواب عنه منعدم ؟

الا انه يستثني بجمال وموضوعية كاتبا مثل مالك بن نبي ، فقد سلك في بحوثه الكثيرة عن الحضارة الإسلامية ، مسلك النابش عن جذورها الباحث عن صلة ما بينها وبين نفوس أصحابها . مع تذيل ذلك بالإشارة الى إضافة مالك بحثا لكتابه شروط النهضة تحت عنوان اثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة . يضيف أيضا الشيخ البوطي في التمهيد وعند التطرق الى الحضارة وعناصرها ان الحضارة تعرف بانها :”ثمرة التفاعل بين الانسان والكون والحياة ” ويشير في الهامش انه يستبعد ان يكون بن نبي يقصد بالتراب الأرض وحدها . ( وهو ما يتفق مع ما ذكرت ان ترجمة le sol لم تكن دقيقة فهي الى المادة او الكون أقرب ) .

هذا وقد اشتهر مالك بن نبي بحسن وجودة اختيار المصطلحات بل كان يخلق بعضها خلقا . مثل القابلية للاستعمار التي لم يسبقه اليها أحد . فكذلك وصفه للمنتج الحضاري بالمعادلة الرياضية وكل ما تحمله من دلالة : انسان ( بشر وليس شرط ان يكون مسلما ؟) + مادة + وقت ( زمن ) = منتج حضاري . وهنا بالضبط يبرز تميزه وتمايزه، حيث قام مالك بن نبي بتحليلات معقدة للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي ينبني عليها المجتمع، و حدد قوانين الحضارة. من خلال جرد لكل الحضارات وكان كثير الاستفادة خصوصا من التجربتين السوفييتية والصينية والهندية وغاندي عنده واحد من القادة العظماء الذين يلهمون شعوب المستعمرات .

وهو بذلك نقيض في تفكيره لسيد قطب الذي اعتمد على الجاهلية و “الحاكمية”. وان “تطبيق الشريعة” سيحل حلاً سحرياً عجائبياً كل مشكلة المسلمين [2]. مع نقد لاذع وغير واع للحضارة الغربية وهذا تحديدا مع يجعل السيد مختلف أيضا عن المسيري الذي ينتقدها عن معرفة دقيقة بالإضافة الى نظرة المسيري الثاقبة في الهوياتية انظر كتابه “تيار الهوية”.

اذن التركيز مختلف بينهم عن اصل المشكلة ” المنطلق ” والحيثيات ” المعوقات” لكل منهم ، وان كان غرضهم جميل مشروع ومتشابه على كل لكن بتمايز.اهتم مالك “. بتغير ما بالأنفس ثم المجتمع بنزع القابلية من القلوب دون حتى نقد ” المدنية ” الغربية بل يدعوا الى الاستفادة منها بعمق ! …في حين كان اهتمام المسيري بنقد الحضارة الغربية على كل مستوياتها ” مع التسليم او على الأقل عدم التركيز على المسلمين !( يفترض ان الحضارة الاسلامية في اوجها) .مثلا ” نيتشه ” عند مالك بن نبي يمكن أن يمنع من يقرأ له من الزيغ ! ” وقد ذكر في مذكراته أنه لما خاف على ” الخالدي ” من الزيغ وبهرج المدنية أعطاه كتاب نيتشه ؟ في المقابل عندما تسمع للمسيري يتحدث عن ” نيتشه” وموقفه من اللغة مثلا وانفصام الدال عن المدلول والاجزاء دون الكليات…تجزم أنه يتحدث عن ” مبشر ” بالإلحاد ويجب أن لا يقرأ له ؟!

فالتدقيق هنا يؤكد انهم لا ينتمون الى مدرسة فكرية واحدة : والطرح مختلف فمن ينقد الحضارة الغربية وباهتمام مركزي، ليس كمن بعتبر ان نقد الحضارة الغربية ليس همه المركزي بل همه المركزي هو إيصال المسلمين (وشعوب المستعمرات) إلى حالة نهوض حضاري لا يهمه إن كانت تلتقي ام تختلف مع الحضارة الغربية. المهم ان تكون حضارة قادرة على المنافسة ومواجهة الظاهرة الاستعمارية. باختصار: هم الهوية الثقافية المتميزة هم مركزي عند المسيري ومنعدم عند السيد وهو عند مالك بن نبي ثانوي. وفي المقابل نقد المجتمع العربي وارد عند المسيري لكنه ياتي من منظور الهوية. وهمه الأساسي هو نقد النموذج الحضاري الغربي. نقد مالك بن نبي للمجتمع العربي-المسلم-مجتمعات شعوب المستعمرات هو هم اساسي وهو لا يعنيه المشكلة التي تهم المسيري اساسا وهي مشكلة التبعية الثقافية. مالك ينقد المجتمع المحلي من منظور الكفاءة الحضارية وهو همه المركزي. ولا يهتم اهتماما يذكر بنقد النموذج الحضاري الغربي والاتجاه العام لكتاباته يجعل القارئ يستنتج ان فكرة وجود هويات ثقافية مختلفة لا تكاد تلفت انتباهه او تشغله. هذا الموضوع هو موضوع مركزي عند المسيري وعلى عكس مالك بن نبي لا تشغله مسالة انطفاء الحضارة بل يبدو كانه ليس من مفاهيمه واهتماماته وهو موضوع نظري اساسي عند مالك.

هكذا توصل الدكتور محمد شاويش الى خلاصة :” أن ثمة فارقاً جوهرياً بين المسيري وبن نبي في نظرتهما إلى مفهوم “الحضارة”. مالك لا يهتم بالفروق بين الحضارات وليس نقد الحضارة الغربية هو همه المركزي،وهمه لم يكن أن يبني المسلمون نموذجهم الحضاري الخاص، بل يكفي أن يستأنفوا دورة حضارة جديدة من حيث انتهت، والهدف هو القضاء على الاستعمار عبر القضاء على القابلية للاستعمار. جاء المسيري وهو أصغر منه في السن بهم مختلف كل الاختلاف، وهو إثبات خطورة ولا إنسانية النموذج الحضاري الغربي، ومن هنا كان الاستخلاص غير المباشر من كتاباته: لا يجب تقليد الغرب ! ولا تشغل باله مسألة السبات الحضاري عندنا، وبالعكس: هو يدافع عما لدينا من تراحم في مقابل التعاقد عندهم. ليختم بدعوة الشباب إلى قراءة الرجلين، على أن ينتبهوا إلى الفروق الجوهرية بينهما لكي ينتبهوا إلى القضيتين المتعاكستين اللتين تواجهان الثقافة العربية: مسألة النهوض والمقدرة على المنافسة ومسألة الحفاظ على الهوية. وقد بحث المفكران المسألتين ولكنهما لم يكونا متفقين في التفكير بل هما مختلفان كلياً.”

وفي الختام كيف نقرأ مالك بن نبي : يذكر انه بعد صدور كتاب الظاهرة القرآنية 1947 التي قدم لها الشيخ الأزهري الألمعي عبد الله دراز ! ثم رواية ” لبيك ” 1948. تمخض كتاب شروط النهضة مشكلات الحضارة 1949 ( فقد كان يفترض أن يصدر بهذه العناوين : وجوه الفجر وعلى آثار الفكر العلمي الاسلامي وخطاب حول شروط النهضة الجزائرية )…وكان الاستاذ مالك بن نبي المهندس يرغب في أن : ” يترك لإخوانه الجزائريين تقنية خاصة بالنهضة ” لاحظ ذلك الحب ” المستقبلي ( الجزء 2من الكتاب بعنوان المستقبل ). قدم للكتاب الدكتور عبد العزيز خالدي الذي صرح ان المؤلف منعه صراحة من مجرد الإشارة إلى سيرته الذاتية ( لكونه سيذكرها هو شخصيا لاحقا في المذكرات ويتجنب اي مؤثرات قد تقع على مؤلفه ” التقني ” هذا ) لكنه أشار على كل أن الرجل رجل ميدان وليس مثاليا :” لقد عاش بن نبي هذه المشكلات تماما كالآخرين الذين اتخذوا منها معارك انتخابية …..ولكن التجربة الشخصية عنده تعني شيئا آخر فهي سبب للتأمل في الدواء ومن هذا التأمل تبدأ المأساة في أن تصبح عنده مشكلة فنية فهو يقودنا بتحليله الدقيق الوثيق في اركان التاريخ لكي يكشف لنا عن ( الدورة الخالدة ) التي ألهمته الانشودة الجميلة التي صدر بها هذه الدراسة “. ثم يردف قائلا :” فهل فكرة أحد في مشكلة الرجل والتراب والوقت والمرأة والزي والتكيف والثقافة ، التي هي جوهر المشكلة الإنسانية كلها ؟ . هذه البساطة هي التي يجب أن تقرأ بها كتب مالك بن نبي في اعتقادي بعيدا عن التهويل والازدراء كلاهما تطرف منبوذ ، أعجبني مقال ماتع للأستاذ ابراهيم عوض وهو في العشرين من عمره عندما كتب مقالا عن مالك جاء في قصته :(( أنى انتهيت من المقال فى جلسة واحدة معتمدا على كتابين أو ثلاثة لمالك بن نبى وعلى الذاكرة أكثر مما اعتمدتُ على نصوص الكتب مباشرة. وكان يخيَّل لى حينها أننى أضحيت كاتبا كبيرا! ألست أكتب عن فيلسوف كمالك بن نبى، وأنتهي من كتابة مقالى عنه فى شوط واحد وأنا جالس ممددا بطول الأريكة فى بيت صديقى السكندرى؟ وقد أبرزتُ فى ذلك الفكرة التى كانت وما زالت تسكن عقلى منذ تعرفى بكتابات المفكر الجزائرى من أن مالك بن نبى هو فيلسوف القوانين التاريخية كابن خلدون . فكانت اذن الدورة الحضارية ( وهي أوسع من فكرة الدولة ) محل اهتمام بن خلدون بيلوجيا وهيجل العقلي العنصري وماركس الاقتصادي الجدلي وتوينبي بين التحدي والاستجابة …وقد ضمن الدورة من الروح إلى العقل الى الغريزة.

والى لقاء محبكم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى