اسلامياتتعاليق حرةتقاريرتقارير وأخبار

متى نعيد للمسجد هيبته؟

  • رشيد مصباح (فوزي)

في المثل العربي: ”كلبٌ رابضٌ خيرٌ من أسدٍ راكض“؛ لا يُراد التحقير من الأسد، ولا تمجيد الكلب، بل الإشارة إلى فارق جوهريّ بين ”العقل الهادئ المتّزن“و”القوّة المنفلتة من عقالها“.
يُضرب هذا المثل لمن يملك سعة الرؤية، وهدوء التقدير، في مقابل من يستنفد طاقته في الدفاع والهجوم، حتى يعجز عن الإحاطة بالمشهد.

نراه جليّا في قاعة المحكمة: حيث المُستجوَب محاصر بالأسئلة، مشدود الأعصاب، يدافع عن نفسه بكل ما أوتي من تركيز.. بينما يجلس الجمهور في الخلف، يرى ما لا يراه هو، ويحكم ببرودة أعصاب.

ونراه كذلك في ملعب كرة القدم: حيث اللّـاعب منشغل بالمدافع.. وبلكرة.. والجمهور، ويفكّر في النّتيجة وفي ذات الوقت… بينما يجلس المتفرّج في المدرّج، يحتسي فنجان القهوة، يتابع المباراة ببرودة أعصاب. يرى الثغرة.. ويلتقط الخطأ.. ويُدرك ما غاب عن اللّـاعب المنهمك.

وكذلك الشأن في قاعات الدروس والمنابر: ترى المحاضر كيف يُجهد نفسه.. يستجمع أفكاره.. يبذل كل ما في وسعه.. ومع ذلك لا يُقنع الجميع، لاختلاف العقول والمستويات والسيّاقات.

ومن هنا، يوجَّه هذا الكلام إلى ”بعض المتطوّعين لإلقاء الدروس في المساجد“، لا طعنا في النيّات، ولكن نقدا للممارسة؛ كثيرون منهم يملؤون الفراغ، لكن دون عدّة علميّة، ودون فقه بالواقع، ودون إدراك لعِظم المسؤوليّة. يخاطبون الناس بلغة مبتذلة، مفصولة عن مشاغلهم، بعيدة عن أسئلتهم الحقيقيّة، لا تختلف كثيرا عن ”لغة الخشب“ التي سئمها الناس من أفواه السّاسة.

والناس اليوم، ليسوا في حاجة إلى مزيد من الصّراخ، ولا إلى الوعظ الجاف، بل إلى من يعلّمهم آداب المسجد، ويذكّرهم بحرمة المكان، وينبّههم إلى خفض الصوت، وإلى النظافة، وإلى معنى الاصطفاف قبل التنافس على حجز المكان؛ كثيرون يتسابقون إلى الصفوف الأولى، وهم لا يفقهون معنى ”أولي النُّهى“، ولا يدركون أن القرب المكاني لا يُغني عن البُعد المعرفي.

أليس من الغريب أن يتصدّر للوعظ من لا يملك سوى عبارات محفوظة، يردّدها كالاناشيد، فتُنوِّم ولا تُوقظ؟
ألا يدرك هؤلاء أننا في القرن الحادي والعشرين؛ في زمن المعرفة المفتوحة، والأسئلة المعقّدة، والوعي المتحرّك؟
ألا يخجل بعضهم من الاستسهال، ومن الاستخفاف بعقول الناس، وبقدسيّة المنبر؟

متى نعيد للمسجد هيبته، ومتى ننفض عنه غبار سنواتٍ من الرداءة الفكرية، والسطحية الوعظية؟
المسجد لم يكن يوما مكانا للتخدير، بل فضاءً للتنوير، ولا ينهض به إلّـا من جمع بين العلم، والحكمة، وفقه الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى