ما لغزّة عوجِلَت في صِباها؟

–
- رشيد مصباح (فوزي)
أذهب، ثم أعود من جديد، إلى الموضوع ذاته: ”غزّة“.
كأنّها قدر لا فكاك منه، أو جرح مفتوح يرفض أن يندمل. تستوقفني في كل مرّة تلك الفيديوهات التي انتشرت كنبات الفطر في مواقع التواصل الاجتماعيّ، وبخاصّة على ”الفيسبوك“: مشاهد مرعبة لأطفال حفاة، عراة، يقفون وسط برك من الماء بعدما عبثت الأمطار والرّياح العاتية بخيامهم الهشّة لم تُنشئ لتقاوم الحياة. أجسادٌ صغيرة ترتجف من جوعٍ كافر وبرد لا يرحم، لا طعام يدفئ البطون، ولا مأوى يُستجار به، ولا يد تمتدّ بالعون.
محاصرون من كل الجهات: برّا، وبحرا، وجوّا.
معزولون عن العالم بأسره، كأنّهم ينتمون إلى كوكب آخر لا تشمله قوانين الإنسانيّة ولا تعترف به مواثيق البشر.
في البداية، كنّا، أو قل بعض منّا، منتشين بما سُمّي ”انتصارا“. صدّقنا، بيقين لا يتزعزع، أنّها الفرحة الأبدية، والنصر الموعود الذي طالما تردّد في الآيات والنّصوص والنّبؤات القديمة، دون أن نتوقّف لحظة لنسأل: وماذا بعد هذا الانتصار؟
لم تدم العملية سوى سويعات؛ اقتحام، وقتل، وأسر.. مشاهد صادمة انتهت بسبي بعض الحسناوات، ثم عودة ”سالمة غانمة“، وكأنّ شيئا لم يكن.
ربما لم يخطر في بالنا حينها سؤال عن العواقب.
وكأنّ المنطق كان معطّلـًا، أو مؤجّلـًا إلى أجل غير مسمّى.
فهل يُعقل أن يُترك كيانٌ هو، في حسابات أعظم القوى العالمية، بمثابة ”مسمار جحا“ الذي يُبنى عليه كلّ شيء، و”الحصان الأسود“ في رهاناتهم الاستراتيجية، و”حصان طروادة“ الذي يتسلّلون عبره إلى المنطقة — هل يُعقل أن يُسلَّم هذا الكيان إلى مجموعة ملثّمين يعبثون بأمنه في لحظة غفلة، ثم يمضي الأمر بلا حساب؟
كان من واجب كلّ عاقل أن يطرح السؤال بجرأة: ”من سيدفع الفاتورة؟“
لكن السؤال غاب، أو أُسكت. تعالت أصوات التّخوين، وتبادلت الألسن الاتهّامات.. فصار الشكّ خيانة، والتفكير جريمة.
والجواب، اليوم، صار واضحا وضوح الشمس والصور التي تأتينا عبر الفيديوهات التي تُنشر:
من دون شك، الذين يدفعون الفاتورة هم الأبرياء.
مات من مات، واستُشهد من استُشهد، تحت آلة إبادة لا تشبع، كيانٌ مدعوم بأعتى القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وبصمت عالمٍ جبان متردّد، وتواطؤ دول كنا نعدّها صديقة، فإذا بها لا ترى في القضايا سوى مصالحها التجارية. وخذلان أنظمة عربية لا تجرؤ على اتّخاذ أبسط موقف أخلاقيّ يخفّف عن أهل غزّة شيئا من هذا الجحيم.
ماذا بقي من غزّة؟
لم يبقَ من غزّة اليوم سوى الألم.
أشلاء متناثرة هنا وهناك، وأجساد مدفونة تحت الأنقاض والتراب، وخراب شامل خلّفته آلة جهنمية وعنجهية صهيونية عمياء.. وما خفي أعظم.
ومع ذلك، لا يزال هناك من يتحدّث عن ”نصر“.
يتحدّثون من غرف فاخرة مكيّفة، ”متّكئين على فرشٍ بطائنها من إستبرق“، يشاهدون المأساة كما يشاهدون أفلاما عابرة، لا تكلّفهم سوى بعض الشعارات؛ ويكأنّ صور الأطفال وهو يرتجفون من البرد والجوع والألم.. لا تعني لهم شيئا.
أين غزّة الآن:
هنا كانت جامعة، كوّنت أجيالـًا من النجباء والمثقّفين.
وهنا كان مستشفى، يأوي الأطفال والمرضى والشيوخ والعجزة.
وهناك كانت شوارع تنبض بالحياة، ومحالّ تجارية، ومقاه تُقضى فيها الأوقات، وشواطئ قريبة كان الناس يسترزقون منها.
أين كلّ ذلك الآن؟
لم يبقَ من غزّة سوى الاسم… أو الأثر.
وتلك، في حدّ ذاتها، ”هي المأساة“.
ما حدث في غزّة يذكّرني برثاء ورد في شعر حافظ ابراهيم:
ما لِمَسّينَ عوجِلَت في صِباها
وَدَعاها مِنَ الرَدى داعِيانِ
وَمَحَت تِلكُمُ المَحاسِنَ مِنها
حينَ تَمَّت آياتُها آيَتانِ
خُسِفَت ثُمَّ أُغرِقَت ثُمَّ بادَت
قُضِيَ الأَمرُ كُلُّهُ في ثَواني
وَأَتى أَمرُها فَأَضحَت كَأَن لَم
تَكُ بِالأَمسِ زينَةَ البُلدانِ
لَيتَها أُمهِلَت فَتَقضي حُقوقاً
مِن وَداعِ اللِداتِ وَالجيرانِ



