ليس التذلّل للخلق من الدِّين في شيء

  • رشيد مصباح (فوزي)
    لماذا عندما يمتلك الإنسان مالًـا أو نفوذا أو منصبا يحظى بالاحترام والاهتمام من الجميع، ويعامل معاملة خاصة؟ لكن عندما يفقد هذه المزايا كلّها، يُنظر إليه بنظرة ازدراء، حتى إن كان عالما أو ذو أخلاق عالية؟

هل لهذا التفاوت علاقة بالدِّين، أم بالأخلاق، أم أنّها انعكاس لثقافة المجتمع؟ ولماذا يُعتبر تواضع الأغنياء وأصحاب الجاه فضيلة، بينما يوصم تواضع الفقراء أحيانا بأنه ضعف أو إذلال؟ أليس الدِّين يعلي من قيمة الإنسان بغضّ النظر عن ماله أو جاهه؟

بالطبع لا يعزّز الدّين تبجيل الغنى والجاه على حساب الفقر والتقوى. ومع ذلك، لماذا نستمر بتكريس هذه الازدواجية في تعاملاتنا، رغم أنها تتنافى مع مبادئ الدِّين الذي نؤمن به؟
هل يمكن إنكار هذه الحقيقة؟
بالتأكيد لا.
إنها حقيقة ساطعة كالشمس، يقِرّ بها الجميع وإن لم يعترفوا بها صراحة. وللأسف، يبدو أن هذا السلوك صار جزءا من الطبيعة الإنسانية والثقافة العامة في أغلب المجتمعات. المجتمعات الراقية وحدها قد تكون الأكثر تحرّرا من هذه السطحيّة.

في عالم الحيوان، معيار الاحترام هو القوّة والسيطرة، أما عند البشر فإن الأمر يتجاوز ذلك بكثير وقد وقعنا في هذا الفخ منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا. يمكننا ملاحظة ذلك بوضوح في القصائد التي مجّدت الملوك والأثرياء بهدف نيل رضاهم أو مكافآتهم، وهذا ما دفع عالِما مثل الإمام الشافعي إلى أن يقول: “رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال… ورأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب.”

لكن، وبعيدا عن هذه الصورة العامّة، هناك نفوس عزيزة ترفض الخضوع والهوان أو أن تجعل نفسها ظلّـا لشخص آخر، مهما علا شأنه. الكرامة والمبادئ ليست أشياء قابلة للمساومة، وهناك قيم سامية لا تُباع ولا تُشترى مثل الحرية والاعتزاز بالنفس.

مع الأسف، الجهل يدفع بعض الناس لفعل أي شيء لقاء مكافآت ماديّة أو معنويّة، وهؤلاء يمكن وصفهم بأنهم يفتقرون للكرامة وأصبحوا عبيدا لغيرهم. أما من يحافظ على كبريائه ويترفّع عن الخضوع للمال أو الجاه، فهو يستحق الاحترام بحق.

ليس في التعرض للإهانة والخنوع مايتعلق بالإيمان الصادق، بل إن الإسلام أتى ليرفع من قدر الإنسان ويؤكد على قيمته الإنسانية. لكن مفاهيم الناس تبدلت اليوم، والقيم التي جاء الإسلام لنشرها غابت عن واقع معاشنا.
بكل أسف، أصبحنا نعيش في زمن تداخلت فيه المعايير وتراجعت فيه المبادئ السامية. والله المستعان.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك