”ينّاير“.. الاحتفال البريء والخلفيّات المغرضة

  • رشيد مصباح (فوزي)

يحمل الاحتفال بأعياد الميلاد طابعا إنسانيّا يتيح للمرء فرصة التوقّف عند محطّات مهمّة من حياته؛ يتأمّل ما كان فيها من أفراح، وما مرّ به من آلام وأتراح. فالحياة، بطبيعتها، سلسلة متّصلة من اللّحظات السعيدة والشقيّة، تتخلّلها أوقات عصيبة وتجارب موجعة؛ فهل من اللـّائق أن نحتفل بكل ما مرّ بنا، مهما كان ثقله أو أثره السّلبي؟

إنّ الاحتفال والاحتفاء لا يكتسبان معناهما الحقيقي إلا إذا كان لهما أثر إيجابي في وعينا وسلوكنا، وإلّـا فما جدوى الاحتفال بالفشل، أو الجهل، أو المرض؟ فهذه وقائع استثنائيّة، لا تُحوَّل إلى مناسبات احتفاليّة.

هذا على المستوى الفردي. أمّا على المستوى الجماعي والأممي، فإنّ لكل أمة تراثها الخاص، و رزنامتها من المناسبات التي تستحضر بها تاريخها، وتُذكّر أجيالها المتعاقبة بانتمائها الثقافي والعقائدي. وهذا في حدّ ذاته أمر إيجابي، بل ضروري، ما دام يرسّخ الهوية ويحفظ الذاكرة الجماعية من التآكل والنسيان.

غير أنّ الوجه السّلبي يظهر حين تتنكّر أمة لتراثها، أو تخجل من ماضيها، فتدير له ظهرها، وتستبدله بثقافة الغير. وهو ما نلحظه اليوم في بعض المجتمعات الإسلامية، حيث يُحتفى برأس السنة الميلادية في تناقض واضح وصارخ مع المرجعية الدينية لأمّة التوحيد، التي عوّضها الله بعيدَي الفطر والأضحى عن طقوس الجاهلية ومظاهرها.

وفي شمال إفريقيا، يحتفل الأمازيغ بـ”ينّاير“، رأس السنة الأمازيغية، وهو احتفال تقليدي جميل ما دام في إطاره الثقافي والتراثي. لكن المؤسف حقّا أن يتحوّل هذا الاحتفال، لدى بعض الأطراف، إلى أداة صراع هوّياتي، يحمل أبعادا عقائدية، ويُجرّم من خلاله كل ما له صلة بالعروبة، فتُصوَّر الفتوحات الإسلامية على أنها غزو، وتُختزل العربية في كونها لغة دخيلة، ويُقدَّم الدين باعتباره ثقافة أجنبية.

والحال أنّ الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، شئنا أم أبينا. وهي حقائق تاريخيّة ضحّت من أجلها شعوب شمال إفريقيا، وقاومت بها محاولات التغريب.. والتبشير.. والتنصير.. وتمزيق الصفّ الواحد، فباءت تلك المحاولات كلها بالفشل.

فنحن جزء لا يتجزّأ من الأمّة التي شرّفها الله بالإسلام، وخصّها بعيدين عظيمين، كما جاء في الحديث الشريف:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر».

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك