مثقفون.. بين الانتماء والانسلاخ: معاييرُ البناء ومعوقاتُ الهدم

​بقلم: الأستاذ حشاني زغيدي

​بكلِّ سهولةٍ يمكنُ جردُ أسماءِ المثقفينَ وحصرُها في قوائمَ، كما تجردُ أسماءُ الكتبِ على الرفوفِ. لكنَّ الفارقَ الجوهريَّ يكمنُ في الميزانِ الذي نزنُ به الخاماتِ الفكريةَ، لكي نميزَ بين من يبني ومن يهدمُ، بين الصوتِ الأصيلِ والصدى المشوشِ. وليس هذا الميزانُ وهميًّا، بل هو جهازُ قياسٍ له مؤشراتُه وضوابطُه، تكادُ تتفقُ على أسسِها العقولُ المنصفةُ: فالمثقفُ ليس رقمًا في المعرفةِ فحسبُ، ولا في الكفاءةِ الأكاديميةِ وحدَها، إنما هو رقمٌ في ميزانِ الإنسانِ أولًا، وفي ميزانِ الإبداعِ المتجذرِ في وعيِه بدورِه المصيريِّ.

​الميزانُ الأولُ: الوعيُ بالميثاقِ الأخلاقيِّ

​أولُ موازينِ التقييمِ هو مدى تمسكِ المثقفِ بميثاقِ الشرفِ الفكريِّ، الذي يضبطُ سلمَ أولوياتِه ويضمنُ سلامةَ وجهتِه. وهذا الميثاقُ لا يعني الانغلاقَ، بل يعني الوعيَ بأنَّ الحريةَ الفكريةَ ليست فوضى، وأنَّ حريةَ الرأيِ لا تعني انتهاكَ قيمِ المجتمعِ العليا التي تحميها الشرائعُ وتكرسُها المواثيقُ الدوليةُ الإنسانيةُ. ومن هذه القيمِ: احترامُ خصوصيةِ المجتمعاتِ وتراثِها الروحيِّ والثقافيِّ، وعدمُ استخدامِ الفكرِ سلاحًا للتشويهِ والاحتقارِ، في وقتٍ ندعي فيه الدفاعَ عن الإنسانيةِ.

​الميزانُ الثاني: البناءُ في مقابلِ الهدمِ

​تحت أضواءِ مشاهدِ الكارنفالاتِ الإعلاميةِ الباهرةِ، ترفعُ أصواتٌ، وتفتحُ منابرُ، لدفعِ أسماءٍ محددةٍ إلى الأمامةِ. ولكنَّ الخطرَ الحقيقيَّ يبرزُ حينما يتحولُ المثقفُ –دون وعيٍ أو به– إلى أداةٍ لهدمِ كيانِه، مستبدلًا ولاءَه الهوويَّ والوطنيَّ بآخرَ مغرضٍ. هناك فارقٌ جديرٌ بالذكرِ: فبينما يعملُ المثقفُ الحقيقيُّ كـ «بوصلةٍ» ترسخُ الهويةَ وترشدُ المسارَ، نجدُ الآخرَ يعملُ كـ «معولِ هدمٍ» ينقبُ في أسسِ الأمةِ. والفاصلُ بينهما هو الإجابةُ على سؤالٍ جوهريٍّ: هل يخدمُ فكرُك وطنَك ويساهمُ في نهضةِ أمتِك، أم أنه يصبُّ في مصالحَ أجنبيةٍ تسعى لإفسادِ الذاتِ وتفريقِ الجماعةِ؟

​الميزانُ الثالثُ: الشجاعةُ في مقابلِ الازدواجيةِ والصمتِ

​رسالةُ الثقافةِ والإبداعِ، في أصلِها، هي التزامٌ أخلاقيٌ لا ينفكُّ عنه. وحيثما وجدَ الظلمُ وانتهكتِ الحقوقُ، يكونُ صوتُ المثقفِ هو حكمَ الضميرِ الحيِّ. لكننا نلاحظُ أحيانًا «ازدواجيةً مزعجةً» تشوهُ هذه الصورةَ: صمتٌ مطبقٌ حيال مآسٍ إنسانيةٍ كبيرةٍ في منطقةٍ ما، بينما ترفعُ صيحاتُ الغضبِ لحادثةٍ أخرى. ليس المطلوبُ تشبيهَ المآسي، فالألمُ الإنسانيُّ واحدٌ، ولكنَّ المطلوبَ هو نبذُ الانتقائيةِ في التعاطفِ والنقدِ، التي تفقدُ الموقفَ مصداقيتَه وتحولُه إلى أداةٍ في صراعٍ غيرِ فكريٍّ.

والصمتُ الأخطرُ هو القصديُّ: تلك «الاستقالةُ الطوعيةُ» عن ساحةِ الفعلِ والرأيِ، سواءٌ بسببِ الإجهادِ أو الإغراءِ. فالمثقفُ ليس متلقيَ إشاراتٍ ليصرخَ أو يخرسَ بحسبِها، إنما هو ضميرُ أمتِه النابضُ، وشريانُها الحيُّ الذي لا يسكنُ.

​خطورةُ الحالةِ المرضيةِ وسبلُ التعافي

​في هذه الحالاتِ المتطرفةِ، يتحولُ المثقفُ من سندٍ للنهضةِ إلى «مرضٍ مزمنٍ» ينخرُ في جسمِ الأمةِ. وحينئذٍ يصحُّ أن نسمي الأشياءَ بأسمائها: هذا ليس مثقفًا بالمعنى الحقيقيِّ الالتزاميِّ، إنما هو «مثقفٌ لامنتمٍ» أو «متثقفٌ»، انسلخَ عن روحِ رسالتِه.

إلا أنَّ الهدفَ ليس التشفيَ، بل التنبيهَ والدعوةَ إلى المراجعةِ. فالأمةُ ترتقي بعلمِ مثقفيها الأمينِ، وبحيويةِ ضميرِهم الحيِّ. ولذلك، فعلى المثقفِ الحقيقيِّ أن يعملَ بجدٍ لإعادةِ تثويرِ المشهدِ: بأن يكونَ صريحًا جريئًا في نقدِ الذاتِ قبل نقدِ الآخرِ، مدافعًا عن الحقِّ حيثما كانَ، متمسكًا بجذرِه من غيرِ انغلاقٍ، ومنفتحًا على العالمِ من غيرِ ذوبانٍ. هكذا يبني المثقفُ وطنَه ويساهمُ في صناعةِ حضارةٍ إنسانيةٍ أكرمَ وأعدلَ.

​مسؤوليةُ الضميرِ والقرارِ الأخيرِ

​فالخيارُ الأخيرُ والفاصلُ، بعد كلِّ هذه الموازينِ، هو للضميرِ الحيِّ والإرادةِ الحرةِ: أترضى أن تكونَ عمودًا في بناءِ نهضةِ أمتِك، أم صمامَ أمانٍ لسقوطِها وانحدارِها؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك