حين تتهاوى الأخلاق

ليس من طبعي البوح الحزينُ، لكن أحيانًا يدفعك هولُ الصدمةِ دفعًا لتبوحَ ببعض ما تحسُّه، أملًا أن نحيا نفائسَ أخلاقٍ فقدنا بعضَ أنوارها. يعصرنا ألمٌ داخليٌّ حين تموت فينا خلالٌ كانت حيَّةً، كان يرعاها الآباءُ والمربُّون. أقول: يحنُّ أمثالي لدفءِ مشاعرَ وأحاسيسَ تزيِّنها ذوقيّاتٌ راقيةٌ، بفقدها نشعر بالأسى. تتعجَّبون؟ ويحقُّ لكم التعجُّبُ!

حين تغيبُ البسمةُ في الوجوهِ، وحين تتبلَّدُ المشاعرُ، وتقسو المعاملةُ، ويشرَدُ الدهنُ، ويغيبُ الحضورُ… في مثل هذا الحال أقول: وآسفاه!

حين تخنقُ المشاعرُ فيكون لقاءً بلا سلامٍ، تتشابكُ الأيدي ممدودةً والوجهُ مصروفُ الوجهةِ، ينظر إليك عابسَ الوجهِ، يلبسُ الحزنَ ملامحَهُ، كأنَّ الزمانَ والمكانَ حَرَماه جنَّةَ الخلدِ.

وأذكر وجهًا لمحته في زحامٍ ما… وجهَ جدَّةٍ تبحث عن يد تمسكها لتعبرَ الطريقَ. تمرُّ السياراتُ، وتمرُّ الوجوهُ الشابَّةُ، وعيناها تبحثان عن بقايا ذلك “الدفءِ” الذي تذكره. كانت صورةً حيَّةً لزهرةٍ وحيدةٍ في صحراءَ من الزجاجِ والحديدِ.

ماذا يصيب أمثالي حين يذبلُ الغرسُ، ويصبح إلى دنوِّ الموتِ أقربَ؟ حين تجفُّ العواطفُ بين مكوناتِ المجتمعِ، فيُحرم منها الأحبابُ والأصحابُ وذوو القربى؟ في تلك الأوقات يصيب أمثالي حزنٌ عميقٌ.

ويتساءل المرءُ: أيُّ ريحٍ عاتيةٍ هذه التي تقتلعُ الأشجارَ من جذورها؟ أهي ريحُ الانشغالِ التي تجفِّفُ ينابيعَ القلبِ؟ أم صقيعُ المادةِ الذي يقسو على دفءِ المشاعرِ؟ أم أننا ننسى أن الغرسَ، كلَّ غرسٍ، يحتاج إلى ماءِ الاهتمامِ وضوءِ التذكيرِ لينمو؟

نحن لجيلٍ يتربى على الاحترامِ، نجيلٌ يرعى حقَّ الكبيرِ، يؤدِّي حقَّ العاجزِ الضعيفِ، ويعرفُ قدرَ العالمِ. يبخل فيه صاحبُ الفضلِ فيعلو قدرُهُ. هكذا نحب أن نكون، وهكذا نريد أن يكون غرسنا.

ما زلت أسمع صوتَ أبي يهمس في أذني وأنا صغيرٌ: “يا بنيَّ، ليس الكريمُ من يعطي المالَ، إنما الكريمُ من يعطي الوجهَ والبسمةَ والوقتَ”. كانت تلك وصيَّتَهُ التي صارت نبراسًا. فهل ورَّثنا نحن لأغراسنا مثل هذا النبراسِ؟

يأسف أمثالي حين يرى صورَ المشاعرِ الباهتةِ في المجالسِ والأنديةِ والبيوتِ والأماكنِ العامةِ. حين ترصد كلَّ يومٍ فواعجَ مثيرةً، حين تبصر إثارةَ غضبٍ لأتفه الأسبابِ في البيعِ والشراءِ وفي أماكنِ الخدماتِ، وكان بإمكان الواحدِ أن يكظمَ غيظَهُ، أو يلجمَ لسانَهُ، أو يحبسَ أنفاسَ الأذى. ليتها تُعوَّض بالجمالياتِ والذوقياتِ والأخلاقِ الفاضلةِ.

نأسف حين نسجِّل مثل هذه الذوقياتِ الباهتةِ الباردةِ، فإنها تردُّنا أشواطًا للوراءِ، بل تردمُ ماضيًا جميلًا كانت تزيِّنُه المكارمُ والمحاسنُ، كانت تزيِّنُه السجايا الراقيةُ ومكارمُ الأخلاقِ.

لا شك أن المجتمعَ تقوي لحمتَهُ الوفاءُ والرحمةُ والمحبةُ والتقديرُ المتبادلُ، تلك الأخلاقُ التي تجعل أفرادَ المدينةِ جسدًا واحدًا، يتصل بالحياةِ سعيًا وكدًّا، ولكن القلبَ والوجدانَ والقلوبَ عامرةٌ بالمحبةِ والتآخي والتسامحِ.

أنَّ سعةَ الدنيا وخيرَها في الفردِ الصالحِ الذي ملاكُ نبلِهِ وعلوُّ مكانتِهِ في أخلاقِهِ، الذي نَبَّلَهُ في اللطائفِ التي يتركها حيَّةً في نفوسِ غيرِهِ. إن حضر أو غاب ملكَ الجميعَ بدفءِ حضورِهِ أو غيابِهِ.

فإذا تهاوت تلك الثمرةُ في حياتنا، فبماذا نُطعم قلوبنا؟ وبأيِّ معنى سنملأ أيامنا؟

حينئذٍ، لن يكون السلامُ على الدنيا فحسبُ، بل سيكون السلامُ – حقيقةً – على الإنسانِ الذي نسيناه في داخلنا.

الأستاذ: حشاني زغيدي

إرسال التعليق