جمرات الفقد…غيابٌ لا يُعوّض ووجعٌ لا يندمل

الدكتور سعد الحلبوسي

غادرت بغداد للعلاج في مدينة أربيل في صيف 2019 اللاهب، وتنقلت بين مشافيها واحداً تلو الآخر، فمن “مستشفى هولير” الى “مستشفى رزكاري”ثم الى “مستشفى آزادي”في دهوك ثم الى مستشفى هولير مرة أخرى حتى استقر المطاف في “مستشفى نانه كلي”، واستغرق هذا التنقل والبحث عن الحياة بين المشافي ما يربو على خمسة أشهر متواصلة، ولم يكن بيني وبين أختي “أم همام” إلا التواصل عبر الاتصالات الحديثة لبعدها عني، وكانت يوما بعد آخر تنتظر عودتي معافى من مرضي حتى نعود الى سابق عهدنا بعد أن أعيانا الشوق لبعضنا.

ولما حان وقت رجوعي الى بغداد الحبيبة في مساء يوم السبت 4/1/2020 ونحن على تواصل تلفوني طيلة ذاك اليوم، لم أكن أعلم أن الموت سيخطفها مني دون أن أراها، وفي باكورة يوم الأحد ولشدة الشوق بيننا بادرتني بالاتصال في الساعة السابعة صباحاً ولنضرب موعداً بيننا على أسرع ما يمكن، ولما كنت نائماً حيث أعياني تعب السفر ما كان الاتصال طويلاً بيننا كما كان سابقا، ولم يخطر في بالي أن هذا هو الاتصال الأخير!!

وقبيل الظهيرة من ذلك اليوم الأحد 5/1/2020 انتقلت الى جوار ربها شهيدة بإذن الله طاهرة عفيفة مضرجةً بدمائها الزكية (وهذه هي مخلفات الحروب وغياب القانون وحسبنا الله ونعم الوكيل)، والتقينا في مساء ذلك اليوم في المقبرة من غير موعد لتشييعها الى رحمة الله ورضوانه، وكل ما كنّا خططنا له ذهب في أدراج الرياح، وبقي الموعد المرتقب بين يدي رب رحيم لا تخفي عليه خافية، ولا يظلم عنده أحد.

وهكذا مضت الأيام والسنون وكلما مرّ علينا يوم (5 يناير) من كل سنة تجيش بي العاطفة، وتعتريني غصة،وينتابني ألمٌ يصعب عليّ تجاوزه، وكأنّ الأحزان حطّت رحلها عند أعتابي، تنتظر مني متى أنبسُ ببنت شفة؟!!

فما أقسى الفقد حين يخطف من كان القلب معلقًا بها، وما أوجع الحزن حينما يصبح جزءا من قلبي في أدراج الذكريات،فأبحث في كل سنة في هذا التاريخ بين زوايا الذاكرة فلا أجد سوى صدى غياب أختي القاسي على قلبي ونفسي ووجداني وذاكرتي وكل جزء من كياني.

ولم يكن رحيل أختي –رحمها الله – حدثًا عابرًا في حياتي، بل جرحًا عميقًا غرس مخالبه في أعماق روحي ووجداني، فصار في مخيلتي نزفًا لا يهدأ،وثقلًا في صدري يعصر أنفاسي كلما مرّ ذاك التاريخ، لقد كانت فقيدتنا – رحمها الله- أكثر من أخت، بل كانت الموئل الذي نأوي إليه إذا تاهت الخُطى، والسند الذي نحتمي به من عواصف الحياة، فكانت تلك البسمة حينما يغلبنا الهم، وصوتها بيننا سلامًا نعبر به الفوضى ليسكن ذاك القلب الموجوع المحمّل بأصناف الغصص والكربات.

ومن يقرأ كلماتي هذه عليه أولاً أن يعلم، أننا كبرنا معًا، نتقاسم تفاصيل الأيام، ونتشارك الضحكات والدموع، حتى صارت أختي جزءًا من تكويني، وظلًا لا يفارقني، وروحًا تحيطني في حلّي وترحالي، فلم تكن مجرد أختي بل كانت الأمان الذي يحتويني حين تموج بي الدنيا، وملاذي – بعد الله تعالى – حين تضيق بي الحياة.

ولكن أمر الله غالب وقدره نافذ، فالموت جاء على حين غفلة، وانتزعها منا – شهيدة بين يدي رب رحيم- كما يُقتلع القلب من بين الضلوع، فغيابها – رحمها الله – هوى بروحي في فراغ لا قرار له،وكيف يمكن للفرح أن يكون كما كان من قبل، وقد غابت من كانت ابتسامتها توقظ بداخلي الحياة؟!!

وكم من ليلةٍ تحملت فيها هجوم المرض وهو يفترس جسدي الناحل بصبر وجلادة ورضى وسكينة، ولكني ضعفت مرات عدة وبكيت كما يبكي الأطفال وأنا استذكر أختي – رحمها الله – حتى جفت مدامعي فيمآقيها، وصرت أقلب شريط الذكريات باحثا عن صوتها بين الزوايا فلا أجد إلا الحنين يجلدني بلا رحمة، فأدركت أن بعض الغياب لا يعوضه شيء، وبعض الأرواح إذا رحلت، تركت وراءها فراغًا لا يُملأ وجرحاً غائراً لا يبرأ.ولم تكن جمرات الفقدوحدها من أثقلت روحي، بل شعور الغياب والانكسار، وكأن غيابها –رحمها الله –اقتلع جزءًا من كياني لا يمكن استعادته، وباتت الأيام ثقيلة، والأفراح ناقصة، وكأنها رحلت وأخذت معها ألوان الحياة وأسرار السعادة ومواطن الهناء والراحة.

وبالرغم من هذا كله،أجد عزائي في سيرتها العطرة، وتربيتها التي نفخر بها، وقبل هذا كله رحلت الى الله شهيدة بإذنه سبحانه، فرحلت الى رب أرحم بها منا ورحلت بجسدها لكنها باقية بيننا بروحها، وحاضرة في كل دعوة أرفعها لله أن يجمعنا بها في مستقر رحمته وعلى حوض نبيه، وأن تكون شفيعة لنا يوم العرض على الله سبحانه.

ومالنا الا الصبر والإحتساب، والرضى بما كتب الله – سبحانه وتعالى – فلعلّنا نبلغ درجة الصابرين الذين يوفّون أجرهم بغير حساب، ولعلّها رحمها الله بلغت درجة الأحياء الذين عند ربهم يرزقون، ولعلها بلغت منزلة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

تغمدها الله برحمته التي وسعت كل شيء، وأنزلها الله منازل الشهداء، وجمعنا الله بها في جنته ودار مقامته، وربط الله على قلوبنا وأنزل سكينته علينا، وعوضنا خيراً،وألهمنا الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك