رأيمجتمع

تجربتي مع التين والزيتون

*

رشيد مصباح (فوزي)

في خمسينيات القرن الماضي، اخترع لوبي السّجائر في الولايات المتحدة ما عُرف بنظرية ”تعليم الجهل“، كاستراتيجية لمواجهة العلماء والأطباء الذين حذّروا من أخطار التدخين. لم يكن الهدف دحض الحقائق العلمية، بل التشويش عليها، وبثّ الشك في أذهان الناس، حتى يستمر الاستهلاك وتستمر الأرباح.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد هذه الآلية حكرا على السجائر، بل امتدّت إلى مجالات أخرى، على رأسها صناعة الدواء، حيث نسمع كثيرا عن أدوية تُسَوَّق باعتبارها علاجا، بينما تخلّف آثارا جانبية لا تقل خطورة عن المرض نفسه، في ظلّ تواطؤ مكشوف بين لوبيات المال وبعض الحكومات.

في المقابل، كان أجدادنا يعتمدون على الطبّ التقليدي، وعلى التداوي بالأعشاب، لا عن جهل، بل عن تجربة متراكمة. وقد أثبتت دراسات كثيرة، رغم التعتيم، أن بعض العلاجات الطبيعية أقلّ ضررا وأكثر أمانا في حالات معيّنة. غير أنّ أيّ محاولة لإعادة الاعتبار لهذا الإرث تُواجَه بحرب غير معلنة، وكأنّ العودة إلى الأصل فيه تهديد لمصالح كبرى.

لستُ طبيبا ولا أدّعي صفة العالِم، لكن المرض أحيانا يصبح أستاذا قاسيّا؛ من خلال تجربة شخصية مريرة مع نزيف حاد بسبب البواسير، وجدتُ نفسي بين أسِرّة المستشفى، أتنقّل بين التحاليل ونقل الدم، دون تحسّن يُذكر. وحين نصحني صديق ”لا يحمل لقبا علميّا“ بتجربة التّين المجفّف مع زيت الزيتون، استقبلتُ الأمر بداية بشيء من السخرية، قبل أن تدفعني الظروف إلى المحاولة.

كانت النتيجة لا فتة ومشجّة، بل ومبهرة حقّا، ما دفعني إلى البحث، فوجدتُ أن التين يحتوي على عناصر غذائية معروفة بدورها في دعم الجسم، وأن زيت الزيتون كذلك عنصر أساسي وأكثر من مهم في النّظام الغذائي. لا أقدّم هذه التجربة كحقيقة علمية، بل كشهادة فردية تفتح باب التساؤل المشروع:
لماذا يُحارب كل ما هو بسيط وطبيعي ومتجذّر في ثقافتنا، بينما يُسلَّم العقل كليّا لما تنتجه المختبرات العملاقة؟

اللّـافت أن القرآن الكريم أقسم بالتين والزيتون، وربط بينهما وبين كرامة الإنسان: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم». قد يراها بعض منّا مصادفة، وقد يراها آخرون دلالة، لكن المؤكّد أن هذا الدِّين لم يكن يوما عدوّا للعقل، ولا للصحّة، ولا للعلم.

المشكلة ليست في الطب الحديث، بل في تحوّله إلى سوق بلا ضمير، وفي تقديسه بوصفه الحقيقة الوحيدة المسموح بها. وبين الانبهار الأعمى بالغرب، وشيطنة كل ما هو محلّي وتقليدي، يضيع الإنسان، ويدفع صحّته ثمن صراع مكلف وخطير

ربما نحتاج، في زمن هذا الضجيج، إلى شيء من البساطة… وإلى إيمان هادئ، يشبه – كما يقول المشايخ – ”إيمان عجائز نيسابور“: إيمان لا يعادي العلم، ولا يبيع العقل، ولا يفرّط في الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى