سلوكيات مريضة.. التواضع المتصنّع
رشيد مصباح (فوزي)
ثمة سلوكيّات مريضة التصقت بنا، خصوصا نحن أبناء المداشر والفضاءات الاجتماعية الضيّقة؛ من الإفراط في التودّد والتقبيل عند كل لقاء.. إلى التظاهر المبالغ فيه بالتواضع عند المرور بجماعة في مكان عام. مثل هذه الممارسات، وإن بدت في ظاهرها محمودة، إلا أنّها تعبّر في كثير من الأحيان عن خلل سلوكي. ومع ذلك، صارت لدى كثيرين شبه مفروضة، لأنّ العيش في مجتمع ضيّق يفرض عليك تبرير كل حركة، وكل مسافة بينك وبين الآخرين.
التواضع، في أصله، خُلق نبيل، بل قيمة دينية وإنسانية سامية. غير أنّ الإشكال يكمن في عدم التمييز بين ”التواضع العفوي“ و”التواضع المتصنّع“.
الأوّل نابع من قناعة داخلية، ويعبّر عن صدق الذات، ولا يحتاج إلى تبرير ولا إلى استعراض.
أمّا الثاني، فهو سلوك نفعي مقنّع، يُمارس لكسب الشفقة و استرضاء الجماعة، أو بغرض تحقيق مصلحة ما، دون أي صدق أو انسجام داخلي.
والمقلق أنّ هذا التواضع المتصنّع صار جزءا من يوميّاتنا، نتغاضى عنه ونتعايش معه، لأنّ مواجهته تكلّفنا الكثير. فإذا صدر عن واحد من عامّة النّاس، تمّ تبريره بطيبة القلب. أمّا إذا مارسه بعض الأعيان والوجوه، فإنّه يكتسب بُعدا أخلاقيّا، لأنّه ينزلق من باب المجاملة إلى خانة النفاق الاجتماعي، تحت وهم أنّ الناس لا تميّز بين الصدق والتمثيل.
لقد أصبحنا أسرى عادات مشبوهة، حتى وإن تحاشينا وصفها بالمذمومة. عادات ترسّخت في الأذهان إلى درجة أنّ الخروج عنها يُعدّ شذوذا، والتمرّد عليها يُفسَّر على أنّه تكبّر ، أو تعبيرا عن سوء نيّة. وهكذا، لم نعد نمارس هذه السلوكيّات لأنّنا نؤمن بها، بل لأنّنا لم نعد نعرف كيف نتخلّص منها.
والمفارقة المؤلمة أنّنا، باسم ”الانسجام الاجتماعي“، نفرّط في أبسط أشكال الصّدق مع الذّات. نُجامل أكثر مما ينبغي، ونتواضع أكثر مما نصْدُق، إلى أن يغدو القناع هو الوجه الحقيقي، والتمثيل هو القاعدة الأصلية، وأمّا الطبيعيّ فمجرّد استثناء.



إرسال التعليق