تسيير الأزمات

ليست الهزيمة هي ما يكشف مستوى الإنسان، بل طريقته في تفسيرها.
فالإنسان العادي حين يفشل، يبحث فورًا عن شماعة يعلّق عليها سقوطه: الظروف، الناس، الحظ، الأقدار.
أما الذكي، فيقف أمام نفسه أولًا، ويعترف: أخطأتُ في التقدير، وخطتي كانت ناقصة، وقراءتي للواقع كانت قاصرة.
وهنا يبدأ الفرق الحقيقي.
الاعتراف بالفشل ليس جلدًا للذات، بل رفضًا لخداعها.
فالذي يتهرّب من مسؤوليته لا يحمي نفسه، بل يحكم عليها بتكرار الخطأ إلى ما لا نهاية.
إلقاء اللوم على الخارج يمنح راحة نفسية مؤقتة، لكنه يوقف عملية الفهم ويمنع التصحيح الحقيقي.
الذكاء لا يعيش في مساحة الأعذار، بل في منطقة المساءلة.
من يحمّل (الظروف) مسؤولية فشله، يمنحها سلطة عليه.
ومن يحمّل نفسه، ينتزع تلك السلطة ويحوّل الفشل إلى مادة للفهم والتحليل.
وهذا هو جوهر القوة: أن تكون أنت سبب السقوط، لكي تكون أنت أيضًا سبب النهوض.
ثم تأتي المرحلة التي يكرهها الكسالى: مراجعة الخطة.
العقل الذكي لا يسأل: هل كنتُ محقًا؟
بل يسأل: هل كنتُ دقيقًا؟ هل اخترتُ الوسيلة المناسبة؟ هل بالغتُ في تقدير نفسي أو استصغرتُ الأمور؟
هنا يتحول الفشل من إهانة نفسية إلى درس عملي.
لا دموع، لا خطب، لا ضجيج.
فقط تصحيح للمسار.
أما إعادة المحاولة، فهي الامتحان الأخير.
كثيرون يعترفون بالفشل، لكن قلة فقط تملك الشجاعة لتبدأ من جديد بعقلٍ أقل غرورًا وأكثر تواضعًا.
المحاولة الثانية لا تشبه الأولى:
هي أهدأ، أذكى، وأقل اعتمادًا على الأمل، وأكثر اعتمادًا على الفهم.
ولهذا، لا ينجح الأذكياء لأنهم لا يسقطون،
بل لأنهم لا يكذبون على أنفسهم حين يسقطون.
يعترفون، يراجعون، ويعودون…
بينما يظل غيرهم يدور في الحلقة نفسها، يغيّر الأعذار، ويكرّر الفشل.
فالذكاء الحقيقي لا يبدأ من النجاح،

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك