أسئلة محرجة في زمن الشعارات
أسئلة محرجة في زمن الشعارات
—-
*
رشيد مصباح (فوزي)
يُصاب المرء بالحيرة أمام شخص لا يسأل عن قريبه أو جاره المريض أو الجائع، بينما ينشط بحماسة في جمع الزكاة والتبرّعات لقضايا بعيدة جغرافيّا تُستعمل ستارا لإخفاء أشياء كثيرة. وقد قال الأقدمون: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»، ويقول المثل الشعبيّ: ”ما تجوز الصدقة حتى تكفي بيت العيال“.
وتزداد الحيرة حين نرى أناسا يشهدون الظلم والمنكر في أوطانهم، فلا يحرّكون ساكنا، ولا يجرؤون حتى على كلمة تنديد، بينما ترتفع أصواتهم عاليا حين يتعلّق الأمر بظلم يقع في بلد آخر. كأنّ العدالة، عندنا، تُقاس بالمسافة والبعد لا بالمبدأ والحق.
الأمر نفسه ينطبق على أنظمة تُضيّق على شعوبها، وتُجرّم الرّأي المخالف، وتملأ السجون بمن قال كلمة حق، ثم لا تتردّد في رفع راية الدفاع عن ”القضايا العادلة“ في المحافل الدولية، وتقديم نفسها وصيّا أخلاقيّا على آلام الآخرين.
- كيف يدافع من لا يحترم مواطنيه عن كرامة شعوب أخرى؟
وفي بلدان يعاني فيها المواطن من الفقر وغلاء المعيشة.. والاحتكار الذي يتسبّب في اختفاء المواد الأساسية من الأسواق، نرى سخاء رسميّا في تقديم مساعدات مالية وعينية ضخمة إلى الخارج. لا أحد يعارض التضامن الإنساني، لكن السؤال المؤلم: أليس أولى بهذا التضامن من يئِنُّ داخل الوطن؟
مواطن ينتقد الأوضاع صباح مساء، لكنه حين يحين موعد الانتخابات، يضع ورقته في الصندوق ويمضي، لا يسأل عن النّتيجة، ولا يُحاسب ولا يُتابع.. وكأنّ المشاركة أمر شكليّ لتبرئة الذمّة لا غير.
واليوم، أمام المأساة المفتوحة في غزّة، وما يعانيه أهلها من قتل وتشريد ودمار، يصبح من حقّنا ـ إنسانيّا قبل أن يكون سياسيّا أو دينيّا ـ أن نتساءل عن جدوى عمليات عسكريّة خاطفة لم تدم سوى ساعات، لكنها خلّفت جراحا عميقة قد لا تندمل لعقود:
هل يُعدّ طرح مثل هذا السؤال خيانة؟
أم أنه محاولة صادقة لفهم الكلفة الحقيقية التي يدفعها المدنيّون؟
ومن حقّنا أيضا أن نسأل:
أين أولئك الذين رفعوا الشعارات، واحتفلوا بالنتائج الرمزية؟
أين هم الآن من مأساة الواقع؟
أم أنّ القضايا “المصيرية” تُنسى سريعا حين تتغيّر البوصلة،
أو حين تنشغل الجماهير بالمباريات والأعياد والمواسم؟
سيكتب التاريخ ـ لا محالة ـ أن كثيرين رفعوا الشّعارات حين كانت بلا ثمن، وتراجعوا حين صار الثمن فادحا ومكلفا. وسيخرج، كما في كل مرة، من يلوم السائل لا السؤال، لا دفاعا عن الحق، بل هربا من مواجهة الحقيقة.



إرسال التعليق