مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم.. ليست كل عاطفة رحمة

*

رشيد مصباح (فوزي)
*

ليست كل عاطفة رحمة، ولا كل قسوة ظلما.
أحيانا تكون عاطفة الآباء سببا في فساد الأبناء وضياعهم.
أتذكّر والدي – رحمه الله – حين كان يغضب منّي حتى تنتفخ أوداجه، لا كراهية لي، بل خوفا عليّ. وكان غضبه يوشك أن يتحوّل إلى عقاب، لولا تدخّل والدتي– غفر الله لها – التي كانت تمنعه بدافع الشفقة، فينطفئ غضبه كما ينطفئ بالونٌ أصابه ثقب.
اليوم فحسب أدركتُ أن غضب والدي – رحمة الله عليه – لم يكن بسبب كره أو غلّ، بل كان مصدره الخوف والإشفاق.
غضب الآباء في الغالب ليس حقدا، بل وعيٌ متقدّم بالخطر. وما على الأبناء إلا أن يفهموا أن كثيرا من الشدّة إنّما لتجنّب أضرار أكبر في المستقبل.
المشكلة أن بعض الآباء يختزلون واجبهم في المأكل، والملبس، والمأوى.. وكأن التربية بند ثانوي، أو ترف يمكن تأجيله! بينما الحقيقة أن التربية هي الأصل، وكل ما عداها تفاصيل. فالمراقبة، والمصاحبة، والمتابعة، والحزم عند اللزوم، ليست تعدّيا على الحرية، بل حماية لها.
كم من مستقبل تحطّم، لا بسبب الفاقة والفقر، بل بسبب صحبة السوء، في ظل غياب رقابة الأب، أو تردّده خوفا من كسر خاطر ابنه. والحزم هنا لا يعني العنف، بل يعني عدم التهاون.
ثم إن أخطر ما يُهمَل في التربية هو الواجب الدّيني؛ نحن نملك دستورا أخلاقيّا كاملا متكاملا، يتمثّل في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الطّاهرة. ففي الحديث الشريف: «تركتكم على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلّـا هالك». لكن الواقع أن المدرسة، والشارع، ورفاق السّوء، والمحيط المتردّي والمتعفّن… أكثر حضورا وتأثيرا من الأسرة.
كثيرون من جيلي لم ينقصهم الذكاء ولا الفرص، لكنهم تحطّموا بين رفقة عابثة، ومجتمع متساهل، ومدرسة تُعلّم كل شيء إلا القيمّ. فكانت نتيجته ضياع مبكّر، وندم متأخّر.
رسالتي إلى الآباء:
لا تجعلوا الشفقة ذريعة للتّفريط، ولا الخوف من المواجهة سببا في ضياع أبنائكم.
ورسالتي إلى الأبناء:
استثمروا أوقاتكم قبل أن تُستنزف أعماركم، واحذروا صحبة السوء؛ فالمرء على دين خليله، والصاحب ساحب، ”الخلطة بلطة والجرب يعدي“ -كما يقول المثل الشعبي عندنا في الجزائر. ب
يجب ترك مسافة بينك وبين الفاسدين، هذه ليست مواعظ جاهزة، بل خلاصات تجربة.
أقول هذا من باب النصيحة، لا من برج عاجيّ، ولا ادّعاء كمال، بل من أثر جراح قديمة.

إرسال التعليق