صفحات مجهولة… وأخبار مزيفة: كيف تُستعمل الأكاذيب الرقمية لبث الفتنة داخل المجتمع؟

بقلم: ڨاسي جيلالي

في ظل التحول الرقمي المتسارع، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتعبير أو تبادل الآراء، بل أصبحت ساحة مفتوحة لحروب معلوماتية صامتة، تقودها في كثير من الأحيان صفحات مجهولة الهوية، تتخذ من الأخبار الكاذبة وتزوير التاريخ وسيلة للتأثير وبث الانقسام داخل المجتمعات.

غياب الهوية… أول مؤشر خطر

تتميّز هذه الصفحات بكونها بلا تعريف واضح للقائمين عليها دون عنوان أو هيئة تحرير بلا مصادر موثوقة أو مراجع علمية ورغم ذلك، تقدّم نفسها للرأي العام باعتبارها منصات “توعوية” أو “تصحيحية”، في حين أن مضمونها يكشف عن انحياز أيديولوجي واضح أو أجندة تخريبية مقنّعة.

حين يتحول التاريخ إلى أداة صراع

من أخطر ما تعتمد عليه هذه الصفحات هو توظيف التاريخ خارج قواعد البحث العلمي، عبر اقتطاع نصوص تاريخية من سياقها و إعادة إحياء أطروحات استشراقية تجاوزها البحث الأكاديمي ،اختلاق أقوال ونسبتها لشخصيات تاريخية ،إسقاط صراعات سياسية معاصرة على وقائع تاريخية قديمة و النتيجة هي تشويه الذاكرة الجماعية، وتحويل التاريخ من مجال للفهم والتحليل إلى أداة للتحريض والانقسام.

الأخبار الكاذبة… صناعة متقنة

تعتمد الصفحات المجهولة على تقنيات معروفة في التضليل، من بينها عناوين صادمة تستهدف العاطفة لا العقل ،لغة ثنائية تقسم المجتمع إلى “أصلي” و“دخيل” تضخيم أحداث هامشية أو مختلقة ،تعميم حالات فردية لتبرير خطاب كراهية شامل ،هذه الأساليب لا تهدف إلى الإخبار، بل إلى تأجيج المشاعر وبناء سرديات صراعية.

لماذا تجد هذه الصفحات صدى؟

يرجع انتشار هذا النوع من المحتوى إلى عدة عوامل، أبرزها
ضعف التربية الإعلامية لدى فئات واسعة و سرعة استهلاك المعلومة دون تحقق خوارزميات المنصات التي تكافئ التفاعل لا الدقة ،غياب المساءلة القانونية الفعالة في الفضاء الرقمي بين حرية التعبير والتضليل ،حرية التعبير قيمة أساسية، لكنها لا تعني تزييف الوقائع ولا التحريض على الفتنة ،فالفرق واضح بين الرأي المدعوم بالحجج، وبين التضليل المتعمد الذي يُغلف بخطاب “الوعي” الزائف.

مسؤولية المجتمع والإعلام

مواجهة هذا الخطر مسؤولية جماعية، تبدأ بتعزيز ثقافة التحقق من المصادر دعم الإعلام المهني والبحث الأكاديمي ،عدم إعادة نشر المحتوى المجهول ،تفكيك الخطاب المضلل بدل الاكتفاء بردود عاطفية

إن أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم ليس الاختلاف و في الآراء أو الهويات، بل استغلال هذا الاختلاف عبر الأكاذيب الرقمية.
فالصفحات المجهولة التي تبني حضورها على التضليل لا تمثل حرية ولا وعياً، بل تشكل تهديدًا للسلم المجتمعي، مهما تغيّر شكل خطابها أو ادّعت الدفاع عن الحقيقة.
في زمن فيض المعلومات، يصبح الوعي الحقيقي هو القدرة على التمييز بين الخبر والتحريض، وبين المعرفة والسمّ المعلّب بالكلمات.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك