البروفيسور أحمد قسوم… حين يلتقي العلم بالأدب

حشاني زغيدي
البروفيسور أحمد قسوم… حين يلتقي العلم بالأدب
ليست كل اللقاءات متشابهة، فبعضها يمر عابرًا، وبعضها يترك في النفس أثرًا لا يزول، كأنه درس صامت في القيم قبل أن يكون حديثًا في الأفكار.
من هذا الصنف كان لقائي بالأستاذ البروفيسور أحمد قسوم؛ لقاءٌ جمع بين العلم والأدب، وبين الهيبة والتواضع، وبين الصمت الذي يعلّم، والكلمة التي تُربّي.
رغم أنّني التقيته في أكثر من مناسبة، إلا أن الجلوس إليه، وتبادل أطراف الحديث في حضرة شيخي العلامة البروفيسور عبد الرزاق قسوم، كان تجربة مختلفة؛ جلسة كان رائدها العلم، وظلّها الأدب، وروحها السكينة.
أستاذٌ يسبقه حياؤه، وتأسرك ابتسامته المشرقة، فلا تشعر بثقل اللقب ولا بضجيج المنصب، بل بطمأنينة الإنسان الذي صادق المعرفة، فصادقته.
كان حديثي مع شيخي المفكر يدور حول الثقافة والمثقف، وحول مسؤولية الكلمة في زمن التباس المعايير، غير أن كتابي «قلبي يضيء نورًا» وجد طريقه إلى النقاش، لا باعتباره نصًا، بل باعتباره موقفًا ورسالة.
في تلك اللحظات، كان الأستاذ أحمد يصغي أكثر مما يتكلم، يشاركنا الحوار بعينيه، ويبارك المعنى بملامحه، وكأن الإصغاء عنده فعلٌ من أفعال الحكمة.
تعلمت في تلك الجلسة القصيرة دروسًا لا تُكتب في المقررات:
كيف يكون التواضع خُلُق العلماء، وكيف يكون الاستقبال الحسن بابًا إلى القلوب، وكيف يمكن للكلمات القليلة – حين تُقال في موضعها – أن تعزز المعنى وتمنحه عمقًا.
كان الأستاذ أحمد يُعقّب على كلام الشيخ بعبارات موجزة، لكنها وازنة، تشي بعقل منظم، ونفس مطمئنة، وتجربة طويلة مع العلم والناس.
وحين أهديت كتابي لشيخي الدكتور عبد الرزاق قسوم، رأيته يقرأ الإهداء بتؤدة، يفك شفرات الكلمات المكتوبة بصدق الابن في حق الوالد العالم، فكانت ضمّته لي أعظم تشجيع، وأبلغ رسالة:
أن الطريق ثقيل، والرسالة عظيمة، وأن المثقف الغيور لا يُعفى من واجب الارتقاء ببلدته وأمته.
ثم جاء دور الأستاذ البروفيسور أحمد قسوم، فقرأ الإهداء بعينين نافذتين، كأنهما تختبران الصدق قبل الحرف، فشعرت بحرارة الرضا، لا مجاملةً، بل تقديرًا لمعنى الكلمة حين تُكتب بضمير.
لم يضع الكتاب جانبًا، بل راح يتصفح بعض نصوصه، وكلّه سرور، تتوالى منه عبارات الشكر والتشجيع، فزادني ذلك تواضعًا، وحمّلني مسؤولية أكبر تجاه ما أكتب.
ذلك هو أحمد قسوم كما عرفته عن قرب:
عالِمٌ في علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي، أستاذٌ بجامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين، ومدير المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، وصاحب تجربة أكاديمية دولية…
لكن قبل كل ذلك، هو إنسان يرى في المعرفة رسالة، وفي العلم أمانة، وفي المثقف شريكًا في البناء لا متفرجًا.
وحين بدأت محاضرته، رأيت نبع العلم فياضًا، ينساب من فهمه انسياب الشهد، يطوف في ميدان تخصصه بثقة العالم، وتواضع المربي، ودقة الباحث.
وعند الختام، ومع تكريم العلماء بما يستحقونه من تقدير، كانت كلماته الطيبة في حقي تعزز معنوياتي، وتؤكد أن الكلمة الصادقة لا تضيع، وأن الكتاب حين يُهدى بنية خالصة، يعود على صاحبه نورًا.
إن الكتابة عن الأستاذ البروفيسور أحمد قسوم ليست تعريفًا بسيرة، بقدر ما هي شهادة تقدير لعالم جمع بين صرامة العلم، ورفق الأدب، وبين عقلٍ يصنع المستقبل، وقلبٍ لا ينسى الإنسان.
الأستاذ: حشاني زغيدي



