تعاليق حرةتقاريرتقارير وأخبار

حين تتحوّل الهوية إلى سلاح ضد الوطن

حين تتحوّل الهوية إلى سلاح ضد الوطن

*
رشيد مصباح (فوزي)
كاتب جزائري

*

قبل أيّ تأويل أو مزايدة، لا بد من توضيح بديهي: الانتماء الثقافي أو الجهوي ليس تهمة، ولا يحتاج صاحبه إلى شهادة حسن سلوك وطني. فالجزائري، أيًّا كان أصله أو لهجته أو منطقته، لا يكتسب وطنيته من نفي جذوره، بل من احترامه لجذور غيره وإيمانه بوطنٍ يتّسع للجميع.

المؤسف أن بعض النقاشات العامة تنزلق سريعا من اختلاف في الرأي إلى تشكيك في النوايا، ثم إلى الطعن في الانتماء الوطني، وكأن الوطنية حكرٌ على فئة دون أخرى، وهنا تبدأ الخطورة. إثارة النعرات الجهوية والقبلية ليست ظاهرة جديدة، بل ورقة قديمة استُعملت تاريخيّا كلمّا أُريد إضعاف الشّعوب من الدّاخل. فحين يعجز العدو عن كسر الإرادة الجماعية، يلجأ إلى تفتيتها من خلال تحريض قبائل على مواجهة قبائل، ومناطق ضد مناطق.

التجارب التاريخية، القريبة والبعيدة، تُظهر أن التفرّق كان دائما مدخلا للهزيمة، وأن القوّة لم تكن يوما في التشابه، بل في القدرة على التعايش والعيش المشترك. وفي السيّاق المعاصر، لا يمكن تجاهل أن الأنظمة الشمولية والسلطوية، حين تشعر بتهديد حقيقيّ من وعي شعبيّ متنام، تلجأ إلى إعادة إنتاج خطاب الانقسام، فالانقسام يربك المطالب، ويشتّت البوصلة، ويحوّل الصراع من نقاش حول الحقوق والعدالة إلى جدل عقيم.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الاختلاف، فالاختلاف رحمة -كما قيل- بل تحويل الاختلاف إلى عداوة. وليس أسوأ من أن ينشغل الناس بتصنيف بعضهم بعضا، بينما تتآكل القيم المشتركة التي كان يفترض أن تجمعهم.

الهوية، في جوهرها، ليست أداة إقصاء، بل مساحة تعارف. والوطن لا يُبنى بالصراخ ولا بالتخوين، بل بالاعتراف المتبادل، و بالوعي بأن كرامة الفرد لا تنفصل عن كرامة الجماعة، وأن وحدة المصير أقوى من كل الفروقات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى