الحكومة السورية الانتقالية على حافة السقوط سلطة بجيشٍ متطرّف، وصفقات فاشلة، ودولة تُدار من الخارج

لم يعد مستقبل الحكومة السورية الانتقالية سؤالًا مؤجّلًا، بل أصبح معطىً سياسيًا يقترب من الحسم. المؤشرات المتراكمة لا توحي بتعثّر عابر، بل بانكشاف بنيوي يضع عمر هذه الحكومة على المحك، ويجعل زمنها أقصر بكثير مما أُريد له أن يبدو. فالوقت الذي منحه دونالد ترامب لم يكن تفويضًا سياسيًا بقدر ما كان هدنة مشروطة، جاءت على خلفية تنازل مباشر عن جزء من جغرافية الجولان. غير أنّ هذه الصفقة نفسها بدأت تتآكل سريعًا، بعدما أعادت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى في التحالف الدولي ضد الإرهاب تقييمها، مدعومة بتحركات متزايدة داخل الكونغرس الأميركي، بل ومن داخل البيت الأبيض ذاته.

هذا التحوّل لم يعد خافيًا على حكومة الجولاني، كما لم يغب عن أنقرة والرياض، اللتين التقطتا إشاراته المبكرة من دوائر القرار. وقد وصلتهما رسائل تحذير واضحة، الحكومة الانتقالية فشلت في تحقيق الشرط الجوهري لبقائها، أي بناء جيش وطني يمكن الوثوق به في مواجهة الإرهاب. فما تشكّل حتى الآن ليس جيش دولة، بل تركيب هشّ من جماعات متطرفة، يضم فلول داعش، وعناصر من هيئة تحرير الشام، ومرتزقة تديرهم تركيا. بهذا المعنى، تصبح “محاربة الإرهاب” مجرّد شعار فارغ، حين يُطلب من العالم أن يثق بجيش تكوّنه البنية ذاتها التي أنتجت الإرهاب.

إلى ذلك، أخفقت الحكومة في إدارة ملف التفاهمات مع إسرائيل ضمن السقف الدولي المطلوب، كما عجزت عن لعب أي دور فعلي في مواجهة حزب الله. لا لأنّها ترفض ذلك مبدئيًا، بل لأنها محكومة بتشابكات تركية–إيرانية عميقة، تقوم على إعادة إنتاج جبهة إسلامية عابرة للمذاهب، شيعية وسنية، هي نفسها التي تقاتلت على الأرض السورية، قبل أن تعيد اليوم تنسيق بوصلتها. هنا لا نتحدث عن أحداث موضعية أو احتكاكات هامشية، بل عن خلل بنيوي في تكوين ما يُسمّى “الجيش السوري الجديد”، وعن غياب شبه كامل لأي تناقض حقيقي بينه وبين الفصائل الشيعية في العراق ودير الزور.

الأخطر من كل ذلك أنّ هذه الحكومة عجزت عن حماية السوريين أنفسهم. قتل المكونين الدرزي والعلوي على الهوية لم يتوقف، والتهديد بالمجازر يتصاعد، خصوصًا بحق الشعب الكوردي. وفي الوقت ذاته، بدأت الشقوق تتسع داخل المكوّن السنّي ذاته، بين مذاهب وتيارات متناحرة، خرج صراعها من الغرف المغلقة ومنابر المساجد إلى العلن، في مؤشر على تفكك داخلي لا يمكن احتواؤه بالشعارات أو القبضة الأمنية.

على المستوى الاستراتيجي، يبرز عامل حاسم، التمدد التركي المتسارع على حساب المصالح الأميركية. أنقرة لا تخفي سعيها للهيمنة على ملف إعادة الإعمار والاستثمارات بالشراكة مع قطر، متجاوزة المصالح الأميركية والخليجية الأخرى. هذا التعارض الاقتصادي–السياسي لم يعد تفصيلًا، بل أصبح أحد أسباب إعادة النظر الدولية في جدوى الرهان على الحكومة الانتقالية.

أمام هذا الفشل المركّب، لم تجد الحكومة سوى الهروب إلى الأمام، فبدل معالجة أزماتها الداخلية، لجأت، بتخطيط وتحريض تركي، إلى افتعال بؤر توتر مع قوات قسد، عبر أدوات أمنية وتنظيمات تابعة لها، في محاولة للتغطية على العجز، والتنصّل من عدم الوفاء بالشروط المطلوبة لرفع عقوبات قانون قيصر.

في الخلاصة، نحن أمام سلطة بلغت ذروة صعودها وبدأت مرحلة الانحدار، قد تكون سنة الصعود قصيرة، لكن سنة السقوط أقصر. فمن المستحيل بناء دولة على منهجية تكفيرية، وعلى سجلّ مثقل بالمجازر، وعلى سياسات قتلٍ على الهوية، خصوصًا حين يُستهدف الشعب الكوردي بوصفه الحلقة الأضعف في حسابات سلطة مأزومة.

لهذا، يصبح من الضروري التحذير بوضوح، على قوات قسد ألّا تنجرّ إلى المستنقع الذي تغرق فيه الحكومة الانتقالية. فالمواجهة لم تعد سياسية فحسب، بل صدامًا مع وباء فكري وأيديولوجي، وثقافة إقصائية تنتشر بين التكفيريين من السنة بشكل كارثي، ومنظومة تنظيمات إجرامية، لا تنتج دولة ولا استقرارًا، بل تعيد تدوير المأساة السورية بأشكال أكثر عنفًا وخداعًا.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك