عبادةٌ أتشرّف بها وتقديرٌ أعتزُّ به

مصعب عمر الجبوري

من أعظم ما يمنّ الله تعالى به على عباده أن يفتح لهم أبواب الخير، ويهيئ لهم ميادين العمل الصالح، ويوفقهم لسلوك طرقٍ تقرّبهم إليه، وتعود بالنفع على دينهم وأمتهم، وإن من أجلّ هذه الميادين، وأرفعها قدرًا، خدمةُ العلماء وطلبة العلم الشرعي، والسعي في رعايتهم، وتيسير طريقهم، ومساندتهم في أداء رسالتهم؛ فهي ليست عملاً عابرًا، ولا جهدًا هامشيًا، بل عبادةٌ عظيمة، وقُربةٌ جليلة، وأثرٌ ممتدّ في الدنيا والآخرة.

لقد أدركتُ، منذ سنوات خلت، أن خدمة العلم وأهله هي من أشرف الأعمال، وأعلاها منزلة، كيف لا وقد رفع الله تعالى أهل العلم، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فجعل رفعتهم رفعةً للأمة كلها، ومكانتهم ضمانةً لصيانة الدين وحفظ الهوية، ومن هنا كان حرصي الدائم على أن أكون في صف العلماء والدعاة والمصلحين، أساندهم بما أستطيع، وأمهّد لهم الطريق، وأعينهم بقدر جهدي وطاقتي، إيمانًا مني بأن من خدم العلم فقد خدم الدين، ومن أعان العلماء فقد شاركهم أجر رسالتهم.

إن خدمة العلماء وطلبة العلم ليست تفضّلًا، ولا منّة، وإنما هي شرفٌ يتقلّده من وفّقه الله إليه، وتوفيقٌ يستوجب الشكر الدائم، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم)، ومن أعان الوارث على حمل ميراثه، فقد نال نصيبًا من بركته، وشارك في حفظ هذا الإرث العظيم.

ولأن خدمة العلماء تعني خدمة العلم ذاته، فإنها تعزز بناء الإنسان، وتقويم المجتمع، وحماية الأمة من الانحراف والضياع، فالعلم الشرعي هو البوصلة التي تهدي السبيل، والميزان الذي يضبط البوصلة، والنور الذي يكشف الطريق، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، في إشارة واضحة إلى أن نهضة الأمم لا تقوم إلا على العلم، ولا تُصان إلا بأهله.

ومن هذا المنطلق، فإن السعي في تيسير سبل التعلم لطلبة العلم، ورعايتهم، والوقوف إلى جانبهم، هو استثمار في مستقبل الأمة، وعملٌ تُرجى ثماره في الدنيا، ويُؤمَل أجره في الآخرة، وقد وعد النبي ﷺ طالب العلم ومن أعانه بقوله: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة)، فكيف بمن يسهم في فتح هذا الطريق، وتذليل عقباته، وتيسير مسالكه؟

ومن فضل الله تعالى وكرمه، أن هذه الجهود المتواضعة – التي قدمتها للعلماء وطلبة العلم – لقيت قبولًا وتقديرًا من عدد من المؤسسات والجهات العلمائية والشرعية العاملة في العراق، التي شرّفتني بكتب شكر وتقدير، وإنني وإن كنت أعتزّ بهذا التقدير، لا أراه إلا تكريمًا للعلم والعلماء قبل أن يكون لشخصي، ودافعًا للاستمرار لا للتوقف، وحافزًا لمزيد من البذل لا مدعاة للركون أو الاغترار، فالتكريم الحقيقي هو القبول عند الله، والعمل الصالح الذي يبقى أثره، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.

ولأن الإخلاص هو روح العمل، وميزان القبول، فإنني أستحضر دائمًا قول النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، لأجعل خدمتي للعلم وأهله خالصةً لوجه الله، بعيدةً عن طلب السمعة أو انتظار الثناء، وما أنا إلا خادمٌ للعلماء، ألتمس رضا الله بخدمتهم، وأرجو أن أُكتب في زمرة من دلّوا على الخير، وقد قال ﷺ: (الدالُّ على الخير كفاعله).

وتزداد أهمية هذا الدور في واقعنا المعاصر، حيث تتكاثر التحديات، وتشتدّ محاولات التشكيك بالثوابت، ويُستهدف الوعي الديني والفكري للأجيال، وفي مثل هذا الواقع، تصبح خدمة العلماء وطلبة العلم ضرورةً شرعية ومسؤوليةً مجتمعية، لا خيارًا ثانويًا؛ فهم صمّام الأمان، وحملة الرسالة، ومرجعية الأمة في أزماتها وتحولاتها.

وبهذه المناسبة، أسجّل شكري وتقديري لكل مؤسسة شرعية، ولكل جهة علمائية، ولكل فردٍ أدرك قيمة العلم وأهله، وأسهم في دعمهم والوقوف إلى جانبهم، وأسأل الله تعالى أن يجزيهم خير الجزاء، وأن يجعلنا جميعًا ممن يُقال لهم يوم القيامة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.

وفي الختام، أؤكد أن خدمة العلماء وطلبة العلم ستبقى – ما حييت – عبادةً أتشرف بها، ومسارًا أعتزّ بالسير فيه، راجيًا من الله القبول، والثبات، وحسن الخاتمة، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، في ميزان حسناتنا، يوم لا ينفع إلا العمل الصالح.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك