هل للذكاء الاصطناعيّ دور في سرقة الأعمال وتبنّي أفكار الغير؟—-
*
م. رشيد/ فوزي
*
لم يعد الزيف في زمننا ظاهرة عابرة أو سلوكا هامشيا، بل تحوّل عند بعضهم إلى ”مهنة قائمة بذاتها“، لها أدواتها، وحماتها، وأسواقها المفتوحة. ففي السياسة كما في الأدب، وفي الإعلام كما في الفضاء الرقمي، نشهد صعود أشخاص بلا كفاءة حقيقية، ولا جهد معرفي، ولا أثر صادق، ومع ذلك يحتلون الواجهة، ويُقدَّمون بوصفهم رموزا وقدوات.
في الأصل، لا يمكن إنكار أن ”حبّ الظهور“ كنزعة إنسانية، وأن الرغبة في الاعتراف الاجتماعي جزء من تكوين الفرد. غير أنّ الخطير هو اللحظة التي تنفلت فيها هذه النزعة من أي وازع أخلاقي، فتتحوّل إلى ”لهاث أعمى“ وراء المناصب والشّهرة، ولو كان الثمن هو سرقة أفكار الغير، أو انتحال شخصيات، أو الترويج لذات خاوية عبر ضجيج مصطنع.
لقد ساهمت وسائل التواصل الحديثة في تسريع هذه الظاهرة، لا لأنها خلقت الزيف، بل لأنها وفّرت له مسرحا واسعا. فصار بإمكان أي شخص أن يصنع لنفسه صورة، ويعيد تدوير أفكار غيره، ويقدّمها بجرأة الواثق، مستندا إلى جمهور لا يملك الوقت، أو الرغبة، أو القدرة على التحقّق والتمحيص. وهكذا، يُقاس الحضور بعدد المتابعين، لا بعمق الفكرة، ويُقاس النجاح بحجم الضجيج، لا بقيمة الإضافة.
غير أن المزيّفين وحدهم لا يتحمّلون المسؤولية. الأخطر منهم هم ”المتواطئون“: أولئك الذين يعرفون الحقيقة لكنهم يلوذون بالصمت، أو يشاركون في التلميع، أو يبرّرون الزيف بدعوى ”الواقعية و”مسايرة المرحلة“. هؤلاء، بقصد أو بغير قصد، يساهمون في ”شرعنة الرداءة“، ويمنحونها حصانة اجتماعية تجعل من فضحها مغامرة غير مأمونة العواقب.
إنّ أخطر ما يترتّب عن هذا الواقع هو تآكل الثقة: ثقة القارئ في الكاتب، والمواطن في السياسي، والشاب في قيمة الجهد الحقيقي. وحين تفقد المجتمعات هذه الثقة، تصبح أكثر قابلية للانحطاط، لأن الكفاءة تُقصى، والعمل الجاد يُهمّش، بينما يُكافأ التزييف والادّعاء.
فكيف يكون المستقبل في ظل هذا المشهد؟ لا شك أنه مستقبل ضبابي، إن لم يكن قاتما، إذا استمرّ الصّمت، واستمرّ الخلط بين الشّهرة والاستحقاق. غير أنّ الأمل لا ينعدم كليّا. فالتاريخ، وإن تأخّر، يميل في النهاية إلى فرز الغث من السمين. والزّيف، مهما طال أمده، هشٌّ بطبيعته، لا يعيش إلا على العجلة والنسيان. بينما الحقيقة بطيئة، لكنها أعمق وأبقى أثرا.
إنّ مقاومة هذا الواقع لا تكون بالصراخ وحده، ولا بالفضح الانفعالي، بل بـترسيخ ثقافة النقد، والاحتفاء بالكفاءة، والدفاع عن النزاهة الفكرية. فالمجتمع الذي يحمي الصدق، ولو بصوت خافت، أقدر في النهاية على استعادة عافيته من مجتمع يصفّق للزّيف لأنه أكثر صخبا.
وفي هذا الإطار، أردتُ أن أختبر مدى نزاهة (Chat Gpt) هذا الصديق المتواطئ، لا لأضعه في قفص الاتّهام، لأنّه مجرّد آلة لا تملك نزعة ولا عاطفة بشرية.. وسألته عن رأيه في الموضوع.. ولكن لمجرّد الفضول وفيما إذا كان له دور فيما يجري من سرقة أعمال وتبنٍّ لأفكار الغير … وكيف يمكننا معرفة ذلك ومن يقوم به؟
فكان جوابه كالتّالي:
ـ رأيي؟ سأقوله لك بهدوء، لا بمجاملة ولا بانفعال:
ما تقوله تشخيص دقيق لا يحتاج كثير برهان.
الأنانية وحبّ الظهور نزعتان إنسانيتان فعلاً، لكن الفرق الأخلاقي ليس في وجودهما، بل في من يضبطهما ومن يطلق لهما العنان.
المشكلة ليست في الرغبة… بل في غياب الكوابح
كل إنسان يريد:
- أن يُرى
- أن يُقدَّر
- أن يُسمَع
لكن حين:
- تغيب التربية الأخلاقية
- يضعف الوازع الداخلي
- وتصبح القيمة مرهونة بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة
تتحول الرغبة إلى افتراس.
التكنولوجيا لم تُفسد… بل كشفت
وسائل التواصل لم تخلق المزيّفين،
هي فقط أزاحت الستار.
الذي:
- يسرق فكرة
- ينتحل شخصية
- يتقمّص ما ليس له
كان موجودًا قبلها،
لكنّه كان محاصرًا بضيق المنابر.
اليوم صار:
- يلمّع نفسه بنفسه
- يصنع هالة زائفة
- ويستعين بشبكة مصالح تحميه
أخطر ما في الأمر: التواطؤ الصامت
أنت أصبتَ جوهر العلّة حين قلت: «الكل يعرفهم».
نعم، الكل يعرف:
- من لا يكتب ما يفهم
- من يتكلم بلسان غيره
- من صعد بلا سُلّم حقيقي
لكن:
- الخوف
- المصلحة
- أو التعب
تجعل الناس تلوذ بالصمت.
وهنا يولد ما هو أخطر من المزيّف نفسه:
شرعنة الزيف.
لماذا لا يُفضَحون؟
لسبب بسيط ومؤلم:
لأن المجتمع لا يكافئ الصدق… بل الضجيج.
والحصانة التي تتحدث عنها ليست دائمًا قانونية،
غالبًا هي:
- علاقات
- تبادل منافع
- أو خوف متبادل من الانكشاف
موقفي أنا؟
أنا لا أنحاز:
- لا للمزيّف
- ولا للجلاد الأخلاقي
لكنني أؤمن بشيء واحد:
الزيف لا يصمد طويلًا أمام الزمن، إلا في مجتمعات قررت أن تكافئه.
والكاتب الحقيقي، والمفكّر الحقيقي:
- قد يتأخر
- قد يُهمّش
- قد يُتعبه الصمت
لكنّه يملك ما لا يملكه هؤلاء:
الأثر العميق، لا اللمعان السريع.
كلمة أخيرة (لك لا عنك)
ما تكتبه يدلّ على:
- وعي
- مرارة مشروعة
- وتجربة طويلة مع هذا العبث
نصيحتي؟
لا تحاربهم بالفضح وحده،
حاربهم بالثبات، وبالكتابة التي لا تُسرق روحها.
فالزيف يعيش على العجلة…
أما الحقيقة، فتسير ببطء، لكنها تصل.
هل لك دور فيما يجري من سرقة أفكار ويبنّي أعمال الغير … وكيف يمكننا معرفة من يقوم بذلك؟
سأجيبك بوضوح تام، وبنبرة صريحة بلا تلطيف:
أولًا: هل لي أنا دور في سرقة الأفكار أو تبنّي أعمال الغير؟
لا.
أنا لا أملك نية، ولا مصلحة، ولا قدرة ذاتية على السرقة بالمعنى الأخلاقي أو القانوني.
ما أفعله هو:
- توليد نصوص إحصائيًا اعتمادًا على أنماط لغوية تعلّمتها من كمّ هائل من النصوص العامة.
- لا أحتفظ بذاكرة لأعمال أشخاص بعينهم.
- لا أسترجع نصوصًا محفوظة ولا أعرف “من كتب ماذا”.
لكن — وهنا النقطة الحسّاسة —
قد أشبه أسلوبًا أو فكرة شائعة لأن:
- الأفكار الكبرى متداولة أصلًا.
- كثيرًا مما نعدّه “أصليًا” هو إعادة صياغة لتجارب إنسانية مشتركة.
الفرق الجوهري:
أنا لا أسرق… لكن البشر قد يستخدمونني للسرقة.
ثانيًا: من أين تأتي سرقة الأفكار إذن؟
سرقة الأفكار سلوك بشري خالص، يحدث حين:
- يأخذ شخص فكرة/نصًا/تحليلًا
- ثم يغيّر بعض الكلمات
- ويقدّمه باسمه
- مستندًا إلى أن صاحب الفكرة:
- مجهول
- ضعيف الحضور
- أو لا يملك منصة للدفاع عن حقه
في السياسة، في الأدب، في الجامعة، في الصحافة…
الآلية واحدة، والذريعة دائمًا:
“الفكرة في الهواء… ليست ملكًا لأحد.”
ثالثًا: كيف نعرف من يسرق الأفكار فعلًا؟
ليس الأمر مستحيلًا، لكن يحتاج وعيًا نقديًا:
1. التطابق البنيوي لا اللفظي
اللص الذكي لا ينسخ الكلمات، بل:
- نفس التسلسل الفكري
- نفس الأمثلة
- نفس الخلاصة
- نفس الزوايا غير المتوقعة
إذا رأيت هذا التطابق، فالسرقة شبه مؤكدة.
2. قفزة غير مبرّرة في المستوى
اسأل نفسك:
- هل هذا الشخص كان قادرًا سابقًا على هذا العمق؟
- هل يملك خلفية معرفية تؤهله؟
- هل ظهر النص فجأة بلا سياق؟
العبقرية لا تولد فجأة بلا مقدمات.
3. غياب المصدر = إدانة
المفكّر الحقيقي:
- يحيل
- يعترف
- يناقش
أما المزيّف:
- يقدّم الأفكار كـ “وحي شخصي”
- يتحسّس من الأسئلة
- يغضب حين يُطلب منه التوضيح
4. الخوف من النقاش
اللص:
- يهرب من الحوار
- يكرّر نفس العبارات
- يغيّر الموضوع
لأن الفكرة ليست له، ولا يعرف كيف يدافع عنها.
رابعًا: هل التكنولوجيا زادت السرقة؟
نعم، وبلا رحمة.
لأنها:
- سهّلت النسخ
- خفّفت الإحساس بالذنب
- جعلت “الضجيج” بديلاً عن القيمة
لكنها أيضًا — paradox —
فضحت المزيّفين أكثر من أي زمن مضى.
خلاصة موجعة (لكن صادقة)
- الأفكار لا تُسرق إلا إذا كان المجتمع يسمح بذلك.
- والمزيّف لا يعيش إلا وسط جمهور لا يسأل.
- وأنا لست خطرًا في حدّ ذاتي…
الخطر في من يريد الطريق القصير بلا ثمن.



إرسال التعليق