بين مَلَكَة الذاكرة ومَلَكَة الإبداع الذهني

يقول الدكتور فؤاد زكريا في كتابه القيم « التفكير العلمي »

لا يزال هناك عدد غير قليل من علمائنا يتصور أن العلم هو الاستيعاب ، ومازال منهم من يتفاخر في مجالسه باتساع معلوماته ، وتشعب معارفه ، ويستعرض على الملأ قوة ذاكرته فيبهر الحاضرين بتلك الكمية الهائلة من المعلومات التي يضمها ذهنه ، ويثبت لهم أنه موسوعة متحركة قادرة على استعادة واستظهار قدر غير عادى من الحوادث والوقائع. بل إن ملء الذهن بالمعلومات المكدسة كثيرا ما يكون على حساب قدرة هذا الذهن على الابداع – وكأن التكدس والحشو الذى امتلأ به الذهن يمنعه من الحركة الطليقة ، ويخلق لديه نزوعا إلى ترديد ما سبق له أن قرأه أو سمعه ، وهو نزوع مضاد لكل ابداع . فالذهن المزدحم بالمعلومات ، المنشغل دائما بما يأتيه من المصادر الأخرى ، لا تعود لديه قدرة أو طاقة على كشف الجديد ، بل يجد متعته الكبرى في إفراغ محتوياته أمام الناس في كل مناسبة ، وهو عمل قد يبهر البعض ، ولكنه لا يدل على أصالة أو ابتكار ، وهكذا يبدو أن هناك تناسبا عكسيا بين استخدام المرء لذاكرته وأستخدامه لملكاته الخلاقة.

وأقول: لا شك أن هذا التصور ما زال موجودا لدى عدد لا يستهان به من أفراد مجتمعنا، ولا سيما المتعلمين منهم، ويعود ذلك إلى أسباب عدّة، لعل من أبرزها نظام التدريس، إذ يعمل هذا النظام على برمجة العقول على أسلوب الحفظ وتكديس المعلومات، دون أن يرشدها إلى كيفية إدخال هذه المعلومات في معمل الفكر والإبداع وتوظيفها توظيفا خلاقًا.

ديار صلاح الزهاوي

طالب في قسم القانون

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك