أفول نجم الحضارة الإسلامية بعد سقُوط جوهرة الأندلس مدينة غرناطة

كانت أخر قلعة عظيمة سقطت من قلاع المسلمين، في جوهرة الأندلس سابقًا، “إسبانيا حاليًا”؛ إنها مدينة غرناطة الفردوس المفقود الضائع؛ حيث يحيي الإسبان في هذا اليوم، الذكرى السعيدة عليهم، الأليمة على المسلمين وذلك في اليوم الثاني 2 من شهر يناير عام 1492 للميلاد من كل عام كذكرى يحتفل الإسبان “في استعادة غرناطة”، بينما يعتبر هذا اليوم الحزين نكبة، ونكسة، ومصيبة في ذاكرة الأمة العربية، والإسلامية حينما ضاعت غرناطة والتي كانت تُعرف باسم: “الفردوس المفقود” ؛ وشكل سقوط، وضياع، واحتلال المدينة خسارة إسلامية، عربية وثقافية وحضارية كبيرة؛ ومن باب العلم فإن الأندلس، إقليم يقع في أوروبا الغربية جزيرة أيبيريا، فتحه المسلمون وأقاموا فيها ثمانية قرون، بنوا خلالها مجدًا وحضارة أضاءت الطريق لنهضة أوروبا فيما بعد، لكنهم خسروها بسبب الصراعات وحياة الترف واللهو، في ذلك الزمان؛ وكانت غرناطة آخر جواهر الأندلس التي فقدت عام 1492 للميلاد. ومن ذاكرة التاريخ في تاريخ فتح الأندلس كان ذلك حينما أرسل القائد موسى بن نصير في عهد الخلافة الأموية (662 ـ 750 ميلادية) القائد الشاب الأمازيغي طارق بن زياد عام 711 للميلاد؛ بجيش إلى القوطيين (قبائل ذات أصول جرمانية تعود جذورها إلى مناطق شرق أوروبا) وانتصر عليهم في معركة جواد ليتي (وادي برباط)، وبعد الانتصار أصبحت الأندلس تحت الحكم الأموي؛ وانتشر الإسلام في الأندلس بعد فتحها من طرف المسلمين، وأصبحت في عهد خلافة الأمويين تحديدًا من أكثر دول العالم علمًا، ومدنية وتحضرًا، واستقطاب الباحثين عن العلم والمعرفة من مختلف بقاع أوروبا والعالم، وبعد سقوط الخلافة الأموية عام 132 هجرية، سادت الأندلس حالة من الفوضى والارتباك، وفي عام 995 للميلاد (385 للهجرة) قامت كل طائفة أو عائلة بارزة بإعلان الاستقلال في مدينة من المدن وما يحيط بها، فتمزقت الأندلس إلى 21 دويلة وبدأت فترة حالكة في تاريخها، ومرت فترة ملوك الطوائف بضعف ونزاعات وخلافات كثيرة، وانتهزت الممالك الإسبانية هذه الفرصة للقيام بحركة استرداد كبيرة، ونجح الملك فرديناند الأول في الاستيلاء على العديد من المدن الإسلامية. وهاجم الإسبان المسلمين وانتصروا عليهم في طليطلة عام 1085 ميلادية وسيطروا على المدينة، فانتهى عهدهم بها؛ وجاء عهد المرابطين والموحدين بعد سقوط طليطلة، وقد شكل علماء المسلمين وفدا للتوجه نحو المغرب الأقصى حيث كانت دولة المرابطين في أوج قوتها طالبين التدخل لوقف زحف الإسبان، ووافق يوسف بن تاشفين (مؤسس دولة المرابطين عام 1056 للميلاد) على طلب الوفد الأندلسي. وحقق المرابطون في السنة الموالية انتصارًا كبيرُا على النصارى في معركة “الزلاقة” عام 1086 (479 للهجرة) لكنهم لم يتمكنوا من استعادة طليطلة، وبعد فترة طويلة، انهار حكم المرابطين في الأندلس بسبب فشلهم بالدفاع عن مدينة سرقسطة الأندلسية، وقيام الثورة في دولة المغرب التي أثرت سلبا عليهم. ثم تحول حكم الأندلس للموحدين الذين دافعوا عن الدولة في عدة مواقع بكل قوتهم، وظل الحكم للموحدين إلى أن انتهى حكمهم بعد هزيمة موقعة “العقاب” عام 1212 ميلادية (609 للهجرة). والموحدون” حركة قادها محمد بن تومرت الذي نجح بتأسيس دولة حكمت في شمال أفريقيا، وامتد سلطانهم إلى الأندلس ما بين عامي 1130 و 1269 للميلاد. سقوط غرناطة: بدأت الأندلس بالسقوط الكبير ، وانتهى بعدها الحكم الإسلامي للأندلس، وكان ذلك في 2 يناير/كانون الثاني 1492 (897 هجرية)، وانتهى وجود المسلمين بالأندلس مع سقوط مدينة غرناطة – التي كانت أخر معاقل المسلمين- وذلك بعد حوالي أربعة قرون من حروب شنتها ممالك الشمال المسيحية على الثغور الأندلسية فيما سُمي بحروب الاسترداد. وسقطت غرناطة بتوقيع آخر ملوكها أبي عبد الله الصغير معاهدة استسلام مع الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، وانتهت بذلك الخلافة الإسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية، وقبل غرناطة، كانت بداية السقوط مع بامبلونا بشمال البلاد عام 748 ميلادي، ثم برشلونة عام 985، ولم يمض 12 عاما حتى كانت مدينة سنتياغو قد سقطت عام 997 للميلاد، وتلتها مدينة ليون بعد خمسة أعوام، وبعد أن هدأت ما تسمى “حروب الاسترداد” لحوالي ما يقرب من نصف قرن، استأنفت وسقطت مدينة سلمنقة عام 1055 للميلاد، وبعد تسعة أعوام تبعتها مدينة قلمرية عام، وبعد توقف دام 19 عاما سقطت مدريد عام 1084 للميلاد، وفي العام التالي نجح الملك ألفونسو السادس في انتزاع طليطلة من أيدي المسلمين، ولم تتوقف القوات المسيحية عند غرناطة، إذ سرعان ما توجهت نحو بلدان شمال أفريقيا وسيطرت على مناطق عدة بينها مدينة مليليه المغربية عام 1492م، وذلك في نفس العام التي سقطت فيها غرناطة وقبلها سيطر البرتغاليون على سبتة المغربية عام 1415 مستغلين في ذلك انهيار قوة المغرب الأقصى، وخرج آلاف المسلمين، واليهود من الأندلس باتجاه الشمال الأفريقي واستقروا بمدن عدة، فرارا من واحدة من أسوأ مجازر القتل والذبح، والتعذيب في التاريخ، عرفت بمحاكم التفتيش، والتي ما تزال بعض متاحف إسبانيا تحتفظ بوسائل تنفيذها؛ وقد خلد الشاعر الشهير أبو البقاء الرندي سقوط الأندلس بقصيدته الشهيرة التي قالها فيها: “لكل شيء إذا ما تم نقصان *** فلا يُغر بطيب العيش إنسان، أعندكم نبأ من أهل أندلسٍ *** فقد سرى بحديثِ القومِ رُكبانُ”. وتؤكد معظم المصادر أن أسباب سقوط الأندلس تعود إلى انغماس حكام الأندلس المسلمين بحب الدنيا، وملذاتها وانخراط حكامها في حروب لا تنتهي بينها حفاظا على السلطة والجاه، وهي حروب ونزاعات أججها خصوم المسلمين إلى جانب الانغماس في حياة الترف، واللهو، والمبالغة في الإنفاق بدل الدفاع عن الأرض التي فتحها أسلافهم، ومن أبرز تفاصيل ذكرى سقوط غرناطة من خلال السياق التاريخي: “سقطت غرناطة نتيجة للضعف الداخلي والانقسامات ونجاح الممالك المسيحية في توحيد صفوفها (قشتالة وأراجون) ضمن ما سمي بـ”حروب الاسترداد”؛ وبسبب تسليم المدينة بعد توقيع معاهدة استسلام تضمن حقوق المسلمين، إلا أنها نُقضت لاحقاً، مما أدى إلى تهجير المسلمين وفرض محاكم التفتيش، والتعذيب، والقتل!؛ وكانت الزفرة الأخيرة في القصة المشهورة وهي وقوف الملك أبي عبد الله على تلة تطل على غرناطة، وبكائه على ملكه، لتقول له أمه عائشة الحرة جملتها الشهيرة: “ابكِ كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال”؛ وكانت نهاية الحقبة سقوط غرناطة، وانتهاء الحقبة الأندلسية، حيث تحولت المساجد إلى كنائس، وحُرقت كتب التراث، واعتبرت ضربة قوية للعالم الإسلامي كله!؛ وكان هذا الحادث هو نهاية غروب شمس المسلمين عن شبه الجزيرة الأيبيرية بعد رحلة طويلة من التطور الحضاري، ونهاية قرابة ثمانية قرون من الوجود الإسلامي في الأندلس فيما عُرف تاريخياً بـ زفرة العربي الأخيرة؛ وهكذا حال الأمة العربية، والإسلامية حينما تبتعد عن شريعة ربها، وتنغمس في المعاصي والذنوب وملذات الدنيا وشهواتها وتتمزق، وتتفرق، ولا تتوحد ينقض عليها الأعداء فيمزقوها إربًا وتتكالب عليها الأمم، ويصبحوا في ذيل الأمم بعد أن أعزهم الإسلام ورفعهم إلى أعالي القمم ولعل الأمة ترجع لها الهمة و تنهض الهمم، وتتوحد وتتمسك في الشريعة الإسلامية السمحة وتطبقها، وقتها يعود للأمة السؤدد، والتمكين في الأرض.

الباحث، والكاتب الصحفي، والمفكر العربي الإسلامي، والمحلل السياسي

الأديب الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر/ محمد عبد الله أبو نحل

عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر، رئيس المركز القومي لعلماء فلسـطين

الأستاذ، والمحاضر الجامعي غير المتفرغ/ غزة ــ فلسطين

رئيس الاتحاد العام للمثقفين، والأدباء العرب بفلسطين

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك