من حرية التعبير إلى خطاب الكراهية: أين نرسم الحد؟

ڤاسي جيلالي

في عالم سريع التغير, حيث تنتشر المعلومات في ثوانٍ وتتصادم الثقافات، تبدو حرية التعبير كحق أساسي لا غنى عنه. إنها الأداة التي تمكّننا من مناقشة أفكارنا بحرية، وكشف الظلم، والتعبير عن آرائنا دون خوف. لكن الحرية ليست مطلقة. عندما تتحول الكلمات إلى أدوات لتحريض الكراهية أو العنف، يصبح السقف المسموح به ضيقًا جدًا، ويبرز السؤال: أين تنتهي الحرية ويبدأ خطاب الكراهية؟

حرية التعبير ليست مجرد حديث عن الرأي، بل هي حجر الزاوية للمجتمع الديمقراطي ,الصحفي يفضح الفساد، والفنان يعكس قضايا المجتمع، والمواطن يشارك في النقاش العام, ومع ذلك، يؤكد القانون الدولي أن الحرية لا تعني الإفلات من المسؤولية؛ فهي تتوقف عند حقوق الآخرين وكرامتهم الإنسانية, أي تجاوز لذلك يعني خرقًا للقانون والأخلاق.

خطاب الكراهية هو أي شكل من أشكال التعبير يستهدف مجموعة أو فردًا بناءً على العرق، الدين، الجنس، الميول الجنسية أو الهوية الاجتماعية, قد يكون لفظيًا، بصريًا، أو رمزيًا، لكنه دائمًا يسعى لإثارة التفرقة أو العنف.

في العصر الرقمي، أصبحت الإنترنت منصة مثالية لانتشار خطاب الكراهية بسرعة هائلة , منشور مسيء أو فيديو تحريضي يمكن أن يصل لملايين الأشخاص في دقائق، مسببًا انقسامات اجتماعية وتوترًا جماعيًا ,الدراسات تشير إلى أن استمرار هذا الخطاب يضعف التلاحم الاجتماعي ويهدد السلم الأهلي.

تمييز النقد البناء عن خطاب الكراهية يعتمد على ثلاث مؤشرات رئيسية اولها النية التي تحدد الهدف هل هو نقد بناء أم اهانة وتحريض , ثم يأتي التأثير الذي قد يؤدي بالكلام إلى عنف أو يهدد حياة الأفراد, و اخيرا الاستهداف الجماعي الذي يُستهدف شخص واحد أم فئة كاملة بناءً على هويتها.
ان توفرت هذه المؤشرات ، فنحن أمام خطاب كراهية وليس مجرد حرية تعبير.

ان زمن الإنترنت جعل الحدود أكثر ضبابية و كثير من التحديات الرئيسية منها الانتشار السريع للمحتوى المسيء ,صعوبة الرقابة القانونية عبر الدول المختلفة والتلاعب بين الرأي الشخصي والخطاب العدائي المستتر ,هذا يجعل من الضروري أن تتبنى المنصات الرقمية سياسات صارمة لمكافحة خطاب الكراهية، مثل حذف المحتوى المسيء وحظر الحسابات المتكررة.

لرسم خط واضح بين الحرية والكراهية، هناك عدة أدوات منها ,سن قوانين تمنع التحريض على العنف والتمييز، مع فرض عقوبات صارمة ,تعليم الأفراد التمييز بين النقد المشروع وخطاب الكراهية ,رفض خطاب الكراهية ودعم النقاش البناء و اخيرا مراقبة المحتوى، وإزالة المنشورات المسيئة، وحظر الحسابات المخالفة.

حرية التعبير حق أساسي، لكنها مسؤولية كبيرة ,خطاب الكراهية ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل تهديد للسلم الاجتماعي والأمن الشخصي ,رسم الحد يتطلب وعيًا قانونيًا، أخلاقيًا، ومجتمعيًا، مع التركيز على النية والتأثير وطبيعة الاستهداف.

في العصر الرقمي، يصبح التحدي أكبر، إذ يمكن للأفكار السامة أن تنتشر بسرعة غير مسبوقة لذلك، يجب أن تظل الحرية أداة للحوار البناء، لا سلاحًا للتحريض على العنف والكراهية، وأن يكون لكل فرد دور في الحفاظ على مساحة التعبير الآمن، بعيدًا عن الكراهية والانقسام.

إرسال التعليق