عندما تتحول الهوية إلى إهانة

تتغيّر معاني الكلمات بمرور الزمن، لا بسبب اللغة نفسها، بل بسبب طريقة استعمالها. بعض الكلمات تبدأ كتوصيف عادي، ثم تتحوّل، مع التراكم الاجتماعي والسياسي، إلى وسيلة إقصاء أو تحقير. من بين هذه الكلمات في السياق الجزائري، تبرز كلمة «قبايلي» عندما تُستعمل خارج معناها الأصلي.
في أصلها، تشير الكلمة إلى انتماء جغرافي وثقافي مرتبط بمنطقة القبائل، وهي منطقة ذات تاريخ عريق في المقاومة، والفكر، واللغة، والمساهمة في بناء المجتمع الجزائري. لم تكن الكلمة في بداياتها تحمل أي دلالة سلبية، بل كانت توصيفًا لهوية واضحة المعالم.
غير أن السياقات المتوترة، وسوء إدارة الاختلاف، جعلا الكلمة تنزلق في بعض الخطابات من التعريف إلى التجريح. فحين تُقال بنبرة سخرية أو اتهام، لا تعود مجرد كلمة، بل تتحول إلى أداة رمزية تُستخدم لتقليل قيمة شخص أو لوصم فئة كاملة بصفات جاهزة.
في الحياة اليومية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يظهر هذا الاستعمال بوضوح، خاصة في النقاشات الحادة، حيث تُستعمل الكلمة كاختصار للإهانة بدل النقاش. المشكلة هنا لا تكمن في الكلمة ذاتها، بل في النية التي تُحمَّل بها، وفي التطبيع مع خطاب يجعل من الهوية مادة للسخرية.
الوعي بتاريخ الكلمات ليس ترفًا لغويًا، بل مسؤولية اجتماعية. فاللغة تعكس مستوى نضج المجتمع وقدرته على التعايش مع التنوع. حين نحول الانتماءات إلى شتائم، نُضعف النسيج المشترك الذي يجمعنا.
محاربة هذا النوع من العنصرية لا تعني إنكار الاختلافات، بل احترامها. فالهوية ليست شتيمة، والانتماء الجغرافي أو الثقافي لا يمكن أن يكون سببًا للإهانة. الوعي بتاريخ الكلمات ومعانيها يساعدنا على اختيار لغتنا بعناية، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل مرآة لقيم المجتمع.
الاختلاف حقيقة، والهوية ثراء، أما الإهانة فاختيار. واختيار الكلمات هو في النهاية اختيار للقيم.
حين نحترم الكلمات، نحترم الإنسان.
ڤاسي جيلالي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك