مبارزة ونزاع شخصي صنع تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية
حنان داوود
في فجر الجمهورية الأمريكية الوليدة، وبينما كانت الولايات المتحدة تحاول رسم ملامحها وسط ضباب الثورة والدستور، كان هناك “نسران” يحلقان في سماء نيويورك، كلاهما يملك من الذكاء والطموح ما يكفي لحكم أمة، لكن الأقدار حكمت بأن سماء السياسة لا تتسع لهما معاً. كان الأول ألكسندر هاميلتون، المهاجر اليتيم القادم من جزر الكاريبي، الذي عوض فقر نسبه بعبقرية مالية ولسان لا يعرف المجاملة، ليصبح “مهندس الاقتصاد الأمريكي” واليد اليمنى لجورج واشنطن. أما الثاني فكان آرون بور، سليل الأرستقراطية الأمريكية، والسياسي الداهية الذي يخفي طموحه خلف قناع من الهدوء والغموض.
لم تكن العداوة بينهما وليدة لحظة غضب، لقد كانت تتخمر ببطئ عبر خمسة عشر عاماً من المنافسة في المحاكم وصناديق الاقتراع. كان هاميلتون يرى في بور “انتهازياً بلا مبادئ” ومستعداً لبيع البلاد من أجل السلطة، بينما كان بور يرى في هاميلتون “متغطرساً” يقف حجر عثرة في طريق صعوده دائماً.
بلغت الكراهية نقطة اللاعودة في انتخابات عام 1800، حين تعادل بور مع توماس جيفرسون في الأصوات الرئاسية. كان هاميلتون يكره جيفرسون أيديولوجياً، لكنه كان يحتقر بور أخلاقياً. تدخل هاميلتون بنفوذه وقلب الطاولة، مانحاً الرئاسة لجيفرسون مبررا بأن: “جيفرسون لديه مبادئ خاطئة، لكن بور ليس لديه مبادئ على الإطلاق”.
لم ينسَ بور الإهانة، وجاءت الضربة القاضية في عام 1804، حين قرأ بور في صحيفة محلية رسالة مسربة تذكر أن هاميلتون وصفه بـ “الرجل الحقير” خلال عشاء خاص. طالب بور باعتذار رسمي، لكن كبرياء هاميلتون منعه من التراجع، وكبرياء بور منعه من الصمت. وهكذا، تم تفعيل “ميثاق الشرف” القديم : المبارزة.
في فجر الحادي عشر من يوليو 1804، عبر الرجلان نهر هدسون بقوارب منفصلة نحو منحدرات “ويهاوكين” في نيو جيرسي. كان المكان يحمل نذير شؤم مرعباً لهاميلتون. ففي نفس البقعة بالضبط، وقبل ثلاث سنوات فقط، فقد ابنه الأكبر “فيليب” في مبارزة مماثلة دفاعاً عن شرف أبيه.
وقف الرجلان وجهاً لوجه، تفصل بينهما عشر خطوات. تقول الروايات التاريخية إن هاميلتون، الذي كان قد كتب في مذكراته ليلة المبارزة أنه “يعارض إزهاق الروح البشرية”، قد أطلق عمدا نحو أغصان الشجر (أو في الهواء)، مضحياً بفرصته في النجاة ليرضي ضميره.
أما آرون بور، فلم يتردد. رأى غريمه، الرجل الذي دمر أحلامه الرئاسية، يقف أمامه فانتهز الفرصة.
عاد كل منهما من ذلك الصباح بمصير مختلف.
هاميلتون أصيب إصابة خطيرة ولم ينجُ منها، ورحل في اليوم التالي تاركًا خلفه إرثًا سياسيًا وفكريًا ضخمًا.
أما آرون بور، فاستمر حيًا، لكنه فقد موقعه ومكانته. تحوّل من نائب رئيس الولايات المتحدة إلى شخصية مثقلة بالاتهامات والشكوك، وانزوى بعيدًا عن الواجهة السياسية حتى نهاية عمره.



إرسال التعليق