الأب الروحي للولايات المتحدة الحديثة .. أب أمريكا الروحي اليوم
حين تولى فرانكلين روزفلت رئاسة الولايات المتحدة في مارس 1933، كانت البلاد في وضع يقترب من الانهيار الكامل. الكساد الكبير شل المصانع، والبنوك افلست، والبطالة وصلت الى ارقام غير مسبوقة. ومع ذلك، ستتحول هذه اللحظة الى بداية مشروع اعاد صياغة امريكا من جديد، وهو مشروع الصفقة الجديدة الذي جمع بين الاصلاح الاقتصادي، وانقاذ البنوك، وتحريك عجلة العمل، وبناء دولة اجتماعية اكثر صلابة.
ادرك روزفلت ان الازمة لم تكن ارقاما فقط، بل انهيارا في الثقة. لذلك بدأ باصلاح القطاع المالي عبر قانون الطوارئ المصرفي وانشاء مؤسسة ضمان الودائع الفدرالية FDIC. وبمجرد طمأنة الناس على اموالهم، توقفت موجة سحب الودائع، واعيد فتح الاف البنوك في ايام قليلة، مما اعاد النظام المالي الى الحياة.
ثم توجه نحو العنصر الاخطر: البطالة. لم يعتمد روزفلت على الاعانات، بل على تشغيل الناس مباشرة. هكذا ظهرت هيئات تشغيل ضخمة مثل Civilian Conservation Corps التي شغلت الشباب في مشاريع التشجير والسدود، وبرنامج الاشغال العامة Works Progress Administration الذي وفر ملايين الوظائف في البناء والطرق والمدارس، اضافة الى هيئة وادي تنيسي Tennessee Valley Authority التي حولت منطقة فقيرة بالكامل الى نموذج للتنمية الحديثة.
لم يكن هدفه فقط خلق وظائف، بل بناء دولة حديثة. شق الطرق السريعة، مد شبكات الكهرباء، اعاد هيكلة الزراعة، وفرض قوانين جديدة لحماية العمال ومنع الاحتكار. وهكذا، تحولت الدولة الفدرالية من مراقب بعيد الى لاعب اقتصادي واجتماعي اساسي يضع القواعد ويحمي المواطن.
وبحلول نهاية الثلاثينات، كانت الولايات المتحدة قد خرجت من اخطر مرحلة في تاريخها. ارتفعت نسبة التشغيل، استقرت البنوك، وتوسعت البنية التحتية بشكل لم تعرفه البلاد من قبل. وبذلك صنع روزفلت ما يشبه النهضة الوطنية الكبرى، مستندا الى مزيج من الثقة الشعبية، والسياسات الجريئة، والقدرة على تحويل الازمة الى فرصة لبناء امريكا جديدة اكثر قوة وصلابة.
الى جانب دوره في اعادة بناء الاقتصاد الامريكي، كان لفرانكلين روزفلت دور محوري في تحويل الولايات المتحدة الى القوة الحاسمة في الحرب العالمية الثانية. فقد فهم مبكرا خطورة صعود الانظمة التوسعية في اوروبا واسيا، وبدأ قبل دخول الحرب فعليا بتجهيز امريكا سياسيا وصناعيا وتحالفيا لخوض صراع عالمي طويل.
اول خطوة كبرى كانت اطلاق سياسة ترسانة الديمقراطية التي جعلت من الولايات المتحدة المصنع الاول في العالم للسفن والطائرات والدبابات. ومن خلال قانون الاعارة والتاجير Lend Lease Program قدم روزفلت السلاح والغذاء والوقود الى بريطانيا والاتحاد السوفيتي والصين، مانعا سقوط الحلفاء في السنوات الحرجة بين 1940 و1942.
وبعد هجوم بيرل هاربر، اعاد روزفلت تنظيم جيش الولايات المتحدة بسرعة قياسية. فقد تضاعفت قدرات US Army و US Navy عدة مرات، وتحولت المصانع المدنية الى مصانع سلاح خلال اشهر. وارتفع انتاج الطائرات والسفن الى ارقام لم يعرفها العالم من قبل، حتى اصبحت امريكا القاعدة الصناعية الكبرى التي اعتمد عليها النصر في كل الجبهات.
كما كان روزفلت حجر الزاوية في بناء التحالف الدولي. فقد قاد العمل المشترك مع Winston Churchill و Joseph Stalin في مؤتمرات الحلفاء، ووضع الاطار الاول لما سيصبح لاحقا منظمة الامم المتحدة United Nations. وكانت رؤيته تقوم على ان العالم بعد الحرب يجب ان يُدار بنظام دولي من المفروض أن يمنع تكرار المأساة.
وعند نهاية الحرب، كانت الولايات المتحدة قد خرجت ليس فقط منتصرة، بل القوة الاعظم في العالم. ونهضة روزفلت الاقتصادية في الثلاثينات تحولت الى نهضة عسكرية وصناعية في الاربعينات، وهي التي مكنت بلاده من تغيير مسار الحرب وقيادة النظام الدولي بعد 1945.



إرسال التعليق