ضائعٌ بين أقرانه

ضائعٌ بين أقرانه
*
الجــزءالرّابع
(17)
*
*
كانت البداية صفقة بسيطة، بعتُ له ثلّاجه عن طريق وسيط كان زميلا لي. شيئا فشيئا، باتت العلاقة بيننا أوثق، ووجدتُ نفسي مستمعاً لتفاصيل معاناته التي زعم أنه مر بها في طفولته، ومن ثم الخلافات التي نشبت بينه وبين أفراد عائلته.
قبل أن يترك عمله، سواء بالاستقالة أو الإقالة، كان غريمي يشغل منصباً حساساً في شركة وطنية تحتكر بضائع أساسية شحيحة في السوق المحلي. هذا الاحتكار أفسح المجال لظهور المضاربين والسماسرة، ومع الوقت لم أتردد في الانخراط معه في تجارة محفوفة بالمخاطر.
في إطار هذه الأعمال، خضنا مغامرات عدّة جلبت لنا أرباحاً اقتسمناها فيما بيننا بالتساوي، أو هكذا كان يبدو على الأقل. كان يُظهر نزاهة في تقسيم الغنائم، مما أكسبه ثقتي العمياء التي سرعان ما استغلّها ضدي. تحوّل هذا الشخص إلى مصدر ابتزاز بشع وتمادى في تهديدي، حتى اضطر إلى إرسال رسالة تهديد عبر أخيه.
حين طلب مني خدمة فيما بعد، لم أتردد لحظة في تلبيتها، دون أن أتصور أنه سيغدر بي “بطلقة خنجر مسموم”؛ مشتغلّـا وثيقة قانونية سلّمتُها له، لا تشوبها شُبهة، لطلب رشوة من تجّار يستغلّون محالًـا تابعة للبلدية، كان من بينهم رجل شيخ تربطني به صلة قرابة. لكن حين اكتُشف الأمر من طرف مصالح الدرك الوطني، لم يتوانَ، بل ولم يتورّع حتّى، عن اتّهامي زوراً وبهتانا، وذلك لتبرير فعلته وما قام به.
القانون لم يكن في صفي؛ وُجهت لي اتهامات بالتورط في طلب رشوة لصالح رئيس المجلس الشعبي البلدي، الذي كان الكثيرون يرغبون في الإطاحة به لأسباب ومصالح شخصية، وأخرى غير قابلة للتّوضيح. طالبوني بأن أدلي بشهادة ضدّه لتبرئة ذمّتي، لكنّني رفضتُ، مستحضرا الحديث النبوي: “ألا وشهادة الزور”، واخترت ألّـا أكون أداة ظلم حتى وإن كان ذلك سيكلّفني غالياً.
رضيتُ أن أكون “كبش الفداء” على أن أشهد زورا على شخص بريء. وتحمّلت الظلم الذي أحاطني، وأحمد الله دائماً وأبداً على كل ما أصابني، فهو لحكمة أعرفُ أنّني سأُجزى عليها يوماً ما. وهذه تجربتي؛ رسالة منّي إلى كل مُغفّل يبحث عن المسؤولية بأيّ ثمن: لا تركض وراء المنصب دون أن تكون قادرا عليه، ملمّا بحقوقه و أعبائه. فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قوله: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعملني على ولاية فقال: “يا أبا ذر، إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة خزي وندامة، إلّـا من أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها.”
يتبع…/



