الشعر الجاهلي بين طه حسين وناصر الدين الأسد
الشعر الجاهلي بين طه حسين وناصر الدين الأسد
إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
يُعَدُّ الشِّعْرُ الجاهليُّ أحدَ أهَمِّ مَصادرِ مَعرفةِ تاريخِ العَرَبِ قَبْلَ الإسلام ، فَهُوَ سِجِلٌّ للبيئةِ
والثقافةِ والقِيَمِ والمِخْيَالِ الجَمْعِيِّ في تِلْكَ الحِقْبَة . وهَذا الشِّعْرُ كانَ ومَا يَزَالُ مِحْوَرَ جَدَلٍ بَيْنَ
الباحثين ، خَاصَّةً بَعْدَ صُدورِ كتاب ” في الشِّعْرِ الجاهليِّ ” ( 1926 ) للدُّكتورِ المِصْرِيِّ طه
حُسَيْن ( 1889 _ 1973 )، ومَا تَلاه مِنْ رُدودٍ عِلْمِيَّة ، أبرزُها كِتاب ” مصادر الشِّعْرِ
الجاهليِّ وقيمتها التاريخية ” ( 1956 ) للدُّكتورِ الأُرْدُنِيِّ ناصر الدِّين الأسد ( 1922_
2015 ) . وَقَدْ مَثَّلَ الكِتابُ مُوَاجَهَةً عِلْمِيَّة مَنْهجية لأُطْرُوحاتِ طه حُسَيْن . وَمِنْ خِلالِ هَذا
السِّجَالِ يُمكِن مُقارَبة رُؤيَتَيْن مُخْتَلِفَتَيْن في التعاملِ معَ النَّصِّ الشِّعْرِيِّ الجاهليِّ ، رُؤية تُشكِّك
في أصالته ، وأُخْرَى تُدافِع عَنْها بِمَنْهَجٍ نَقْدِيٍّ صارم .
أثارَ طه حُسَيْن جَدَلًا واسعًا حِينَ أعْلَنَ أنَّ مُعْظَمَ الشِّعْرِ الجاهليِّ مَنْحولٌ ، وأنَّه صُنِعَ في
صَدْرِ الإسلامِ والقُرونِ اللاحقةِ لأغراضٍ دِينية وسِياسية وَقَبَلِيَّة . وَقَدْ بَنى استنتاجَه على
مَنْهَجٍ تأثَّرَ بالشَّكِّ الدِّيكارتيِّ ، وفِكْرَةِ إخضاعِ التُّراثِ للاختبارِ العَقْليِّ ، فَذَهَبَ إلى أنَّ البيئة
التي يُصورِّها الشِّعْرُ لا تَنسجِم دائمًا معَ الصُّورةِ التاريخيةِ للعَرَبِ الجَاهِلِيِّين ، وأنَّ اللغة التي
نُقِلَ بِها الشِّعْر مُتماسكة أكثرَ مِنَ اللازمِ لِتَكُونَ نِتاجًا لِقُرونٍ شَفَوِيَّة طويلة . كما رَأى أنَّ نَشْأةَ
عُلومِ اللغةِ والبَلاغةِ والنَّحْوِ في العَصْرِ العَبَّاسِيِّ قَدْ أوجدتْ بِيئةً خِصْبَةً لاختلاقِ أشعارٍ تُسنَد
إلى الجَاهِلِيِّين ، لِتأكيدِ صِحَّةِ قواعدِ اللغةِ ، أوْ خِدْمَةِ العَصَبِيَّاتِ القَبَلِيَّةِ والأغراضِ السِّياسية .
لَمْ يَكُنْ هَدَفُ طَه حُسَيْن هَدْمَ التُّراثِ بِقَدْرِ ما كانَ مُحاولة لإعادةِ قِراءته ، لكنَّه صاغَ
فَرَضياته بطريقةٍ قَطْعية أثارتْ حَفيظةَ العُلَماءِ واللغويين وأهلِ الأدبِ ، الذينَ رَأَوْا أنَّ مَنْهَجَه
تَسَرَّعَ في الحُكْمِ دُون الاعتمادِ الكافي على أدواتِ النَّقْدِ اللغويِّ والتطبيقي .
مَثَّلَ ناصر الدِّين الأسد في كِتابه ” مَصادر الشِّعْرِ الجاهليِّ وقيمتها التاريخية ” نَمُوذَجًا
للمَنْهَجِ العِلْمِيِّ الذي يَجْمَعُ بَيْنَ احترامِ التُّراثِ والنَّقْدِ المَوضوعيِّ ، فَقَدْ تناولَ أُطْرُوحاتِ طه
حُسَيْن بالتحليل ، مُعْتَمِدًا على دِراسةِ الوثائقِ اللغوية ، والرِّواياتِ القديمة ، ومُقَارَنَةِ الأساليبِ
الشِّعْرية ، واسْتِقْرَاءِ تاريخِ التَّدْوينِ الشَّفَوِيِّ والكِتابيِّ عِنْدَ العَرَبِ .
ورأى الأسدُ أنَّ وُجود رِوايات مُتعددة للشِّعْرِ الجاهليِّ ، وَتَفَاوُت الصِّيَغ ، واختلاف الرِّواية
بَيْنَ قَبيلةٍ وأُخْرَى ، كُلُّ ذلك لا يَنْهَضُ دَليلًا على الانتحالِ ، بَلْ هُوَ سِمَة طبيعية للتقاليدِ
الشَّفَوِيَّةِ في الثقافات القديمة . كما أكَّدَ على أنَّ خَصائصَ اللغةِ الجاهليَّة في النُّقُوشِ العربيةِ
الشَّماليةِ والجَنوبيةِ تتوافق إلى حَدٍّ كبير معَ ما نَجِدُه في الشِّعْرِ الجاهليِّ ، مِمَّا يُقَوِّي فِكْرَةَ
أصالته . كذلك رَفَضَ الأسدُ فِكْرَةَ الانتحالِ الواسعِ ، مُبَيِّنًا أنَّ دَوافعَ الوَضْعِ ، إنْ وُجِدَتْ ، لا
يُمكِن أنْ تُنْتِجَ هَذا الكَمَّ الضَّخْمَ مِنَ الشِّعْرِ المُتَمَاسِكِ فَنِّيًّا وَلُغَوِيًّا ، والمُتَنَوِّعِ مَوضوعًا وزمانًا
ومكانًا .
طه حُسَيْن اعتمدَ مَنْهَجَ الشَّكِّ الدِّيكارتيِّ ، وبدأ مِنْ فَرَضِيَّةِ التَّشكيكِ في صِحَّةِ نِسْبَةِ جُزْء
كبير مِنَ الشِّعْرِ الجاهليِّ للجاهليين ، مُعْتَبِرًا أنَّ الشَّكَّ هُوَ الطريقُ للوُصولِ إلى اليقين . والأسدُ
اعتمدَ مَنْهَجًا تَقْليديًّا عِلْمِيًّا يَقُوم على الدِّراسةِ اللغويةِ والتاريخيةِ والمُقَارَنَةِ النَّصِّيةِ ، معَ
إعطاءِ وَزْنٍ أكبر لِجُهودِ النُّقَّادِ واللغويين العَرَبِ القُدَمَاءِ .
طه حُسَيْن شَكَّكَ في مَوْثوقيةِ الرِّوايةِ الشَّفَوِيَّةِ ، واعتمدَ سِياسةَ التَّشكيكِ تُجَاه الرُّواةِ .
والأسدُ اعتبرَ الرِّوايةَ الشَّفَوِيَّةَ العَرَبية ذات مِصْداقية ، خاصَّة معَ وُجودِ طَبَقَاتٍ مِنَ الرُّواةِ
والنُّقَّادِ الذينَ اشتغَلُوا على التَّمْحِيص .
طه حُسَيْن تأثَّرَ بالمَناهجِ الغَرْبيةِ الحديثة في النَّقْدِ الأدبيِّ والبحثِ التاريخيِّ تأثُّرًا مُبَاشِرًا .
والأسدُ ، وإنْ كانَ مُطَّلِعًا على المَناهجِ الحديثة ، فإنَّه بَقِيَ أوثقَ صِلَةً بالمَناهجِ العَرَبيةِ
التقليديةِ وبأُصولها العِلْمِيَّة .
طه حُسَيْن رأى أنَّ تجانسَ لُغَةِ الشِّعْرِ الجاهليِّ دليلٌ على صَنْعَةِ الرُّوَاةِ ، وتَدَخُّلِهِم في
تَوْحيدِ اللغةِ . والأسدُ عَدَّ هَذا التجانسَ نَتيجةَ وَحْدَةِ اللهجةِ الأدبيةِ عِندَ العَرَبِ، ولَيْسَ دَليلًا
على الانتحال .
هَذا السِّجالُ أثَّرَ بِعُمْقٍ في الدِّراساتِ الأدبية العربية ، إذْ فَتَحَ البابَ أمامَ مناهج جديدة في
فَحْصِ النُّصُوص ، وفي الوقتِ نَفْسِه دَفَعَ الباحثين إلى تَطويرِ عِلْمِ التَّحقيقِ والتَّنقيبِ عَن
الوثائقِ والآثارِ التي تُثْبِتُ أوْ تَنْفي الفَرَضِيَّات .
يَظَلُّ الجَدَلُ بَيْنَ طه حُسَيْن وناصر الدِّين الأسد مِنْ أبرزِ المَحَطَّاتِ في تاريخِ النَّقْدِ العَرَبيِّ
الحديثِ ، فَهُوَ سِجَالٌ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الدِّفاعِ أو الهُجومِ ، بَلْ صَاغَ اتِّجَاهَيْن مَنْهَجِيَّيْن أثرَيَا حَقْلَ
دِراسةِ الأدبِ العَرَبيِّ القديم .
وإذا كانَ طه حُسَيْن قَدْ هَزَّ الثوابتَ ، وَلَفَتَ الأنظارَ إلى ضَرورةِ إعادةِ قِراءةِ التُّراثِ ، فإنَّ
ناصر الدِّين الأسد أعادَ التوازنَ بِمَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ دقيق يُثْبِتُ أنَّ النَّقْدَ لا يَعْني الهَدْمَ ، بَلْ الفَهْم
العَميق للنُّصُوص . ومَا بَيْنَ الشَّكِّ والدِّفاعِ تَتشكَّل رُؤيةٌ أكثرُ نُضْجًا للشِّعْرِ الجاهليِّ ، قائمة
على التَّحقيقِ والتَّوثيقِ والانفتاحِ على المَناهجِ الحديثةِ دُون التَّفْريطِ في الثَّرْوَةِ التُّرَاثيةِ ذات
القِيمة الثقافية والحَضَارية .



إرسال التعليق