البرلمان و السياسة
علا مجد الدين عبد النور
كاتبة
ب
الكتاب
لم يولد البرلمان فجأة، فالحكاية أقدم بكثير… حكاية تعود إلى آلاف السنين، حين بدأ الإنسان يفهم أن الحكم لا يقوم بالقوة وحدها، بل بالشورى وتقاسم القرار.
حين كان النقاش هو بداية السياسة
في مدن اليونان القديمة، قبل 2500 عام، اعتاد المواطنون أن يجتمعوا في ساحات واسعة يناقشون القضايا العامة، ويصوتون عليها.
وفي روما، اجتمعت القبائل في مجالس لإدارة شؤون الدولة.
لكن المفاجأة الأكبر تأتي من الشرق…
ففي مدينة أوروك بالعراق القديم، سنة 2800 قبل الميلاد، ظهر ما يسميه المؤرخون مجلس “أوكيم”، وهو أول هيئة تشريعية عرفها التاريخ البشري.
و هكذا عرف الإنسان أن “صوت الجماعة” أقوى من سيف الفرد.
من أوروبا الوسطى… إلى مفهوم البرلمان الحديث
ورغم تعدد التجارب، فإن البرلمان بمعناه القريب من شكله الحالي بدأ يتبلور في بريطانيا.
عام 1236 استخدمت لأول مرة كلمة “Parliament” المشتقة من الفرنسية Parler أي “الكلام” أو “النقاش”.
ثم جاءت لحظة فاصلة سنة 1258، حين اصطدم الملك هنري الثالث بالنبلاء، ففرضوا عليه اتفاقًا ينص على أن يجتمع البرلمان ثلاث مرات سنويًا،وإدخال 12 ممثلا للمقاطعات من غير النبلاء.
ومن هنا بدأ البرلمان يتحول من مجلس للنبلاء إلى مؤسسة تمثل المجتمع بأكمله.
مصر… حين بدأت بذرة الحياة النيابية
في 22 أكتوبر 1866 أصدر الخديوي إسماعيل مرسومًا بإنشاء مجلس شورى النواب، المكوّن من 75 عضوًا.
ورغم أن الصلاحيات كانت محدودة، و كانت الكلمة الأخيرة تعود دائمًا للخديوي، يبقى هذا المجلس أول محاولة مصرية لبناء برلمان حديث.
تطورت الفكرة لاحقًا، بإنشاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية عام 1883 ثم دستور 1923 الذي أقرّ نظام المجلسين: مجلس الشيوخ ومجلس النواب .
ومن هنا بدأت مصر أولى خطواتها في طريق العمل البرلماني.
ما هو مجلس النواب؟
مجلس النواب هو صوت الشعب، وذراعه الذي يمارس به سلطته في التشريع والرقابة.
هو المكان الذي تتحول فيه آراء المواطنين إلى قوانين، وتتحول فيه المشكلات اليومية إلى سياسات عامة.
ويتكوّن المجلس من أعضاء منتخبين في اقتراع عام مباشر، وقد يضم نسبة بسيطة يعيّنها رئيس الجمهورية (لا تتجاوز 5%).
مدته 5 سنوات، ولا يجوز حلّه إلا في حالات الضرورة، ولا يجوز حل المجلس الجديد لنفس السبب الذي حل لأجله المجلس القديم .
وظائف مجلس النواب… خارج القوالب التقليدية
رغم كثرة التفاصيل القانونية، فإن وظيفة البرلمان يمكن تلخيصها في ثلاث كلمات:
يشرّع… يراقب… يمثّل.
1) سنّ القوانين
هو الجهة التي تصنع القوانين، تعدّلها أو تلغيها.
الحكومة تقترح، لكن البرلمان يوافق أو يرفض أو يعدّل.
وبعد إقرار القانون، ترسله السلطة التنفيذية للتصديق ثم النشر.
2) الرقابة على الحكومة، من خلال أدوات عديدة:
الأسئلة البرلمانية
الاستجوابات
لجان التحقيق
سحب الثقة
فالبرلمان يستطيع أن يهزّ كيان الحكومة إذا قصّرت، ويجبرها على الشفافية.
3) تمثيل الشعب
(النائب ليس موظف خدمات، ولا “مندوب لدائرته”).
النائب الحقيقي هو صوت الأمة بأكملها، يناقش قوانين التعليم، الصحة، الاقتصاد، والتحول الرقمي بنفس الجدية التي يتحدث بها عن مشكلات الخدمات، يفكر في مستقبل الوطن، لا في توظيف بعض أبناء قريته، ويراقب الحكومة بعدل لا بعداء ولا تبعية.
أدوار أخرى لا تقل أهمية
إقرار الموازنة العامة
لا يحق للحكومة إنفاق جنيه واحد أو الاقتراض أو البدء في مشروع ضخم دون موافقة البرلمان. وهذا يجعله صمّام أمان مالي للدولة.
التوازن بين السلطات
العلاقة بين رئيس الجمهورية والبرلمان علاقة توازن وتكامل ،فالبرلمان يشرّع ويراقب
والرئيس يصدر القوانين، ويحق له الاعتراض
على أي مشروع قانون وإعادته إلى البرلمان خلال مدة زمنية معينة.
البرلمان قد يسحب الثقة من الحكومة
والرئيس قد يحل البرلمان في حالات محددة، وكأن كل طرف يمسك كفة من ميزان الدولة.
العلاقة مع الجهاز المركزي للمحاسبات
الجهاز المركزي للمحاسبات مستقل ويتبع رئيس الجمهورية، لكنه يرسل تقاريره للبرلمان، الذي يستخدمها في محاسبة الحكومة ماليًا.
العلاقة مع المجتمع المدني
تعمل منظمات المجتمع المدني على نقل مشاغل واحتياجات المواطنين إلى البرلمان، مما يساعد على جعل العمل البرلماني أقرب إلى واقع المجتمع.
كما يمكن للمجتمع المدني المشاركة في عملية الرقابة على أداء الحكومة من خلال تقديم المقترحات والشكاوى والملاحظات حول أداء العمل البرلماني والقرارات الحكومية.
بالإضافة إلى دورها في تشجيع المواطنين على المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية.
ماذا يحدث عند حل البرلمان؟
يتولى رئيس الوزراء أو من يفوضه ممارسة الاختصاصات المالية والإدارية لمكتب المجلس ورئيسه، إلى حين انتخاب مجلس جديد.
الخاتمة
ما نحاول فعله في أبجدية السياسة هو إعادة المواطن إلى قلب الدولة.
أن يفهم كيف يعمل البرلمان، ولماذا صوته مهم، وكيف يمكن للوعي أن يصنع فرقًا أكبر مما يظنه.
السياسة ليست شأنًا للنخب…
بل هي حياتنا اليومية: في الأسعار، والمستشفيات، والمدارس، والرواتب.
ومجلس النواب هو المكان الذي تُترجم فيه هذه الحياة إلى قوانين وقرارات.
حين نفهم، نستطيع أن نطالب.
وحين نطالب، نستطيع أن نغير أوطاننا إلى الأفضل.



إرسال التعليق