الخروج من اللعبة_ الأخيرة

علا مجد الدين عبد النور
كاتبة

لم يكن أحد يتوقع أن يبدأ كل شيء بنقطة ماء.
صباح بارد، والسماء الممتلئة بالغيوم كانت تبدو وكأنها تتردّد قبل أن تبكي، ثم أخيرًا أرسلت أول خيط… خفيفًا، متردّدًا، لكنه كان كافيًا.
كافيًا ليوقف القرار.
وكافيًا لينقذ الطفل.

كانت مريم أول من تحركت. لم تنتظر الشيخ محمد ولا الرجال المتحلقين حول الطفل الملفوف في قطعة قماش باهتة. اقتربت بثبات، وضعت يدها فوق جسده الصغير وقالت بصوت حاولت أن تجعله هادئًا:

“ربنا بعت المطر علشان نراجع اللي بنعمله… ده روح، ومش هنحمله ذنب ابويه.”

أربك حضورها الجميع، لكنها كانت تعرف تمامًا أنها لا تطلب إذنًا من أحد.
نظر الشيخ محمد إلى السماء ثم إلى عينيها، ولأول مرة بدا وكأنه يرى ما تراه هي.
قال ببطء:
“لو هيفضل… يبقى إحنا كلنا مسؤولين عنه.”

وهكذا بدأ كل شيء.

منذ تلك اللحظة، لم يعد موسى طفلًا مجهولًا.
صار ابنًا للمخيمين… أو الجسر الذي ربطهما بعد سنوات من القطيعة.

كان ياسر أكثرهم التصاقًا به. لم يقل يومًا لماذا، ولم يعرف أحد السر الذي يحمله، لكنه كان يجلس إلى جوار الطفل كل ليلة، يراقبه وهو ينام كأنه يخاف أن يتبخر فجأة إن أغمض عينيه.
ومع الوقت، صار واضحًا أن الطفل لم يمنحه فقط سببًا للحياة… بل نجاة من ذنب كان سيلاحقه طالما حيا .

كبر موسى ، تغيّر شكل الحياة حوله .
ضحكته كانت أول صوت يعلو فوق أصوات الجدال المتصلّبة بين المخيمين، وأول سبب يجعل امرأة من المخيم الشرقي تطهو طعاماً للرجال في المخيم الغربي، أو يجعل رجالاً يزورون مخيم النساء للقيام ببعض الإصلاحات أو البناء.
كان حضوره كافيًا ليذيب الجليد الذي تراكم في القلوب.

لم يكن الاحتفال بعيد ميلاده الأول مجرد مناسبة… كان إعلانًا.
تأكيدًا أن الحياة تعرف طريقها مهما طال الخراب.

نُصبت طاولة خشبية بسيطة في منتصف الأرض الفاصلة بين المخيمين.
علّقت أشرطة ورقية بألوان باهتة لكنها مبهجة، حتى الرجال الذين تجنبوا النظر إلى النساء لسنوات، وقفوا يساعدوهن ويضحكون وهم يشعلون النار لخبز العشاء.

والمطر يهطل برقة تحمل خيراً ولا تطفئ ناراً ، كأنه يبارك المشهد.
وقفت مريم تحمل موسى على كتفها، والطفل يمد يده للسماء كأنه يعرف أنها صديقته الأولى.
اقترب الشيخ محمد منها وقال وهو يتابع الطفل بعين صافية لأول مرة:
“شايفة يا مريم؟ الولد ده رجّع الروح للمكان.”
ابتسمت ومسحت قطرات المطر عن وجه الصغير:
“هو اللي علمنا نخرج من اللعبة… اللعبة اللي حبستنا سنين.”
توقف المطر فعلا صوت الغناء ، وقف الشيخ محمد إلى جوار مريم، وموسى نائمٌ على كتفها.

الشيخ بصوت خافت:
“مريم… الولد ده ماينفعش يكبر لوحده. الخير مش لازم يبقى طفل واحد… يمكن محتاج إخوات. يمكن محتاج قلوب تانية تتفتح… وأبواب ماكنّاش متخيلين إنها تتفتح تاني.”

نظرت إليه مريم بدهشة رقيقة، فتابع وهو يحدّق في العتمة التي صارت أقل قسوة:

“يمكن جه الوقت… نخرج فيه من اللعبة كلها
نسيب الخوف، ونرجع نحب زي زمان.
فضحك موسى وهو نائم ضحكة عالية تحمل موافقة ملائكية ، ابتسم الشيخ، وقال وهو ينظر إلى مريم وإلى الطفل :
“خلّينا نرجّع الدنيا زي ما كانت… ونزرع خير يشبه موسى.”
ابتسمت مريم ونظرت إلى الرجال والنساء المحتفلين حول نار وكأنها تنظر إلى الغد .

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك