من ملفات المخابرات
في عالم الجاسوسية المليء بالمعاطف السوداء والمسدسات الكاتمة للصوت، يبرز اسم “خوان بوجول غارسيا” كحالة شاذة وفريدة. فهو لم يكن جندياً مدرباً ولا قاتلاً محترفاً. لقد كان مزارع دواجن إسبانياً بسيطاً، قصير القامة وأصلع الرأس، يمتلك سلاحاً واحداً فتاكاً: “خيالاً لا حدود له”.
بدأت قصته بقرار شخصي غريب نابع من كراهيته العميقة للنظامين النازي والشيوعي اللذين مزقا أوروبا. قرر بوجول في بداية الحرب العالمية الثانية أن يقدم خدماته للمخابرات البريطانية في مدريد، لكنهم طردوه واعتبروه مجرد حالم مزعج. لم يستسلم بوجول، وقرر أن أفضل طريقة لجذب انتباه البريطانيين هي أن يصبح جاسوساً للألمان أولاً! بجرأة يحسد عليها، تواصل مع المخابرات الألمانية مدعياً أنه مسؤول حكومي إسباني متعصب للنازية، وسيسافر إلى لندن في مهمة رسمية. ابتلع الألمان الطعم، وزودوه بشفرة سرية وحبر سري ومال، وأرسلوه إلى إنجلترا.
لكن بوجول لم يذهب إلى لندن، حيث اتجه بدل ذلك إلى لشبونة في البرتغال. ومن غرفته الفندقية المتواضعة، وبمساعدة دليل سياحي عن بريطانيا، وخريطة للسكك الحديدية، وجدول مواعيد قطارات قديم، بدأ يدير أكبر عملية نصب في تاريخ الحرب. بدأ يرسل للألمان تقارير مفصلة عن تحركات الأسطول البريطاني والجيش، كلها من نسج خياله الخصب، مستعيناً بالصحف والمجلات المتاحة في المكتبة العامة. ولإضفاء المصداقية، اخترع شبكة كاملة من “الجواسيس الوهميين” (بلغ عددهم 27 عميلاً خيالياً) يعملون تحت إمرته. منهم جندي مخمور، ونادل في قاعدة عسكرية، ورجل من ويلز يكره الإنجليز. كان يكتب التقارير بخطوط يد مختلفة وأساليب تعبير متنوعة، حتى أصبح الألمان يعتمدون عليه كمصدرهم الأول في بريطانيا، ويرسلون له آلاف الجنيهات لتمويل شبكته التي لا وجود لها إلا في رأسه.
حينها، لاحظت المخابرات البريطانية (MI5) أن الألمان يتلقون معلومات كاذبة ودقيقة بشكل غريب من لندن، فأدركوا أن هناك “لاعباً” مجهولاً في الساحة. وحين عثروا عليه وجلبوه إلى لندن سراً، أطلقوا عليه الاسم الحركي “غاربو” (Garbo)، تيمناً بالممثلة غريتا غاربو، لأنه كان أعظم ممثل في الحرب.
وجاءت لحظة المجد الكبرى في عام 1944، قبل غزو “نورماندي” (D-Day). كُلف غاربو بالمهمة الأخطر: إقناع هتلر بأن الإنزال في نورماندي هو مجرد “خدعة” لتشتيت الانتباه، وأن الهجوم الحقيقي سيقع في منطقة “با دو كاليه” (Pas-de-Calais). أبدع بوجول في نسج التقارير، مخترعاً جيشاً وهمياً كاملاً (الجيش الأمريكي الأول) بقيادة الجنرال باتون.
لجعل تقارير بوجول تبدو حقيقية في حال أرسل الألمان طائرات استطلاع للتأكد، قام الحلفاء بتنفيذ خدعة هوليوودية على أرض الواقع في حقول إنجلترا. حيث وضعوا مئات الدبابات القابلة للنفخ و نشروا نماذج خشبية لطائرات مقاتلة ومدرجات هبوط وهمية.
كما بنوا خياماً فارغة، وقاموا بتحريك شاحنات فارغة ذهاباً وإياباً لتترك آثار عجلات على الطين، لتوحي بوجود حركة جنود كثيفة.
عندما طارت طائرات الاستطلاع الألمانية فوق المنطقة، التقطت صوراً لهذه “الدبابات” و”المعسكرات”. هنا تطابقت “الصورة” (الدبابات المطاطية) مع “المعلومة” (تقارير بوجول)، فتشكلت لدى هتلر قناعة تامة بأن “جيش باتون ينتظر في دوفر للهجوم على كاليه”.
وفي صباح يوم الإنزال، أرسل غاربو رسالة عاجلة للقيادة الألمانية يؤكد فيها أن ما يحدث في نورماندي هو تمويه. صدقه هتلر تماماً، وأصدر أمراً كارثياً بإبقاء فرق الدبابات المدرعة القوية في “كاليه” بانتظار الهجوم الوهمي، بينما كان الحلفاء يقتحمون شواطئ نورماندي وينجحون في تحرير أوروبا.
مايجعل قصة بوجول جنونية بشكل لا يصدق، هي أنه الرجل الوحيد في تاريخ الحرب العالمية الثانية الذي حصل على أرفع وسامين من الطرفين المتحاربين: منحه هتلر “الصليب الحديدي” تقديراً لخدماته (الوهمية) لألمانيا، ومنحه ملك بريطانيا وسام “الإمبراطورية البريطانية” (MBE) تقديراً لخدماته الحقيقية.
بعد الحرب، خشي بوجول من انتقام النازيين الهاربين، فزيف موته بمرض الملاريا في أنغولا عام 1949، وانتقل ليعيش بهدوء كصاحب متجر للهدايا ومكتبة في فنزويلا، ولم يكتشف العالم أنه لا يزال حياً إلا في عام 1984، حين ظهر العجوز الهادئ ليحكي للعالم كيف ساعد في هزم آلة الحرب النازية باستخدام دليل سياحي وقلم رصاص.



إرسال التعليق