ضائعٌ بين أقرانه

ضائعٌ بين أقرانه
*
الجــزء الرّابع
(11)
- *
م. فوزي
*
وتزامنت تلك الوقائع مع ما كانت تعيشه البلاد في سنواتٍ سُمّيت لاحقًا بـ العشريّة السوداء؛ سنواتٍ مُثقلة بالقلق، تتقلّب فيها الجزائر بين اضطراب سياسي وانفلات أمني، ويتربّص الإرهاب بكل زاوية من زوايا الحياة. كان الجزائريّون موزّعين بين خوفٍ يتربّص بهم عند كلّ منعطف، وبين حَگرةٍ تُطوّق يومهم، يرزحون تحت تعسّف سلطةٍ تُسيء استخدام قوتها، وتطرّفٍ لا يوفّر بيتًا ولا طريقًا من تهديداته.
وفي غمرة هذا الفزع العام، تمدّد الفساد في مؤسسات الدولة كأنه ظلٌّ لا يُرى، لكنه حاضر في كلّ مكتبه وممرّ. كان التركيز منصبًّا على مطاردة الإرهاب وحده، بينما تُقاتل في الخلفية أهواء بعض المسؤولين ونزواتهم، فيتغوّلون بلا رقيب على المواطنين، خصوصًا أولئك الذين تُنسب إليهم ميولٌ إسلامية أو انتماءات حزبية، فاستُبيحت أموالٌ وأعراض، وانهارت قيمٌ كانت متينة يوماً.
وربّ ضارّة نافعة؛ إذ أُلغيت المجالس البلدية المنتخبة، وعُوّضت بمندوبيات، وجاء نصيب زميلي أن يُعيَّن رئيسًا لإحداها. مُنح صلاحية اختيار عضوين، فاختار اثنين من أبناء الشهداء، وربما كانت الاختيارات مُوجّهة حتى تجد المندوبية لنفسها شرعية أمام الناس. غير أنّ دورهما ظلّ شكلياً، لا يتجاوز إمضاء محاضر لم يجرؤا يومًا على مناقشتها، حفاظًا على منصبيهما اللّذين يُمكن أن يطيرَا لأتفه الأسباب في تلك الأيام الثقيلة.
هكذا وجدنا، أنا وزميلي الكاتب ـ الرئيس المرضي عنه ـ أنفسنا في مواجهة خزائن مفتوحة وصلاحيات بلا حدود تقريبًا؛ لا من يراقب، ولا من يحاسب. وبينما كان الرعب يخيّم على حياة معظم الجزائريين، كنّا نمضي الليالي في أماكن اللهو كأنّ البلاد ليست البلاد. معظم رفاقي كانوا يحملون السلاح، أو ينتمون إلى مجموعات الدفاع الذاتي التي تعمل تحت جناح أجهزة الأمن، وأنا وجدتُ في تلك الفوضى فسحةً لزيادة نفوذي وحرّيتي.
وبموافقة مصالح الولاية اقتنينا سيارة بيجو 605 فخمة، قال لنا صاحب الأمتياز، الوسيط المتعامل، إنها كانت تابعة للسلك الدبلوماسي السويدي. كما استغللتُ الدعم المالي المخصّص لتحسين ظروف العمل وتنشيط حياة السكّان في ما يخدم صورتي أنا وزميلي… حتى السهرات الفنيّة لم تسلم من ذلك.
وفي إحدى الليالي، تعرّضنا لحادث بتلك السيارة الفخمة. كنّا في حالٍ لا يُحمد، لكن العناية شاءت ألّا تنقلب السيارة. وهنا وجدتُ الفرصة مناسبة لأستعرض كفاءتي أمام الجميع؛ اتصلت ببعض الخواص الذين لم يتردّدوا في تلبية الطلب، وجاءت قطع الغيار من بلدية ”تاجنانت“ في ساعات متأخرة من الليل، رغم خطورة التنقّل في تلك المرحلة.
وصلت لجنة تفتيش في اليوم التالي، إثر بلاغ مجهول المصدر. فحصوا السيارة ولم يجدوا ما يُثبت الحادث. خرجوا كما دخلوا، صامتين. كانت تلك صورة فاضحة للمفارقات التي عشناها: أيامٌ صعبة حدّ الاختناق على الضعفاء والبسطاء… لكنها بالنسبة لأمثالنا كانت طريقًا ممهدًا نحو المزيد من الحريّة، والمزيد من النفوذ.
يتبع…/



