أخطاء السياسيين .. سوء التقدير

أخطاء السياسيين سوء التقدير

حسن كدوز

يقع السياسيون في وسء التقدير و عدم القدرة على تقييم العواقب ، و العتقاد بان الغالبية تقع في صفهم قبل اتخاذ قرار مصيري أو دخول انتخابات القاعدة التي حسمها المفكر ميكيافيلي عندما قال ان على الزعيم السياسي الاعتماد على الخوف لا على حب الجماهير ، و مع التغيير الكبير الذي طرأ على المجتمعات تتصدر المشهد حقيقة لا شك فيها لكن لا يراها إلا صاحب بصيرة.. عندما يصفّق لك مجتمعٌ متخلف فقد آن لك الأوان لكي تراجع أفكارك، فليس كلُّ تصفيقةٍ علامة نجاح، و ليست كلُّ هتافات الناس دليلًا على أنك تسير في الطريق الصحيح، في المجتمع المتخلف، قد تُمدَحُ الأفكارُ لا لأنها عميقة أو راقية، بل لأنها تُشبه ما إعتاد الناس سماعه، و تنسجم مع ما هو سائد و مألوف… و في مثل هذا الجو، يصبح التصفيق معيارًا مقلوبًا، فالناس لا يصفقون للحقيقة.. بل يصفقون لِما لا يهزّ قناعاتهم، و لا يزعج ضعفهم، و لا يخالف هواهم… مبدأ القطيع و الأعراف و التقاليد و إذا عمت خفت، هذا هو وقود كل ذلك..
المجتمع المتخلّف بطبيعته يهاب التغيير، يخاف الفكرة الجديدة، و يقاوم كل ما قد يُجبره على التفكير، أو المراجعة، أو التطوير… لذلك، حين تأتيه فكرة راقية، صادقة، متجاوزة لسقف الوعي السائد، سيكون رد فعله غالبا الرفض لا القبول، و الهجوم لا الفهم، و السخرية لا الحوار.. و لك أن ترى في مجتمعك، السواد الأعظم يرفض الحق، يهاجم الحقيقة، و يسخر من كل فكرة تخالف ما هو سائد عنده رغم وضوح صحتها و وضوح خطئه.. المجتمع المتخلف يعيش في منطقة راحة، يشعر فيها بالهدوء حتى و لو كانت هي العاصفة، و يشعر فيها بالراحة و لو كانت سبب شقائه..
فإذا وجدت أن الأغلبية تصفق لك بسرعة، و تؤيد رأيك دون تردد، فقد يعني ذلك أنك قدمت لهم ما يريدون سماعه، لا ما يحتاجون إلى سماعه،
لأن معيار الجودة مرتبط بالحقيقة، بالشرع و العقل و المنطق و الفطرة، و ليس بالكثرة، الأفكار الراقية عادةً تبدأ بإحتشام، فالمصلحون عبر التاريخ لم يُصفَّق لهم الناس في البداية، بل رُفضوا و حوربوا.. كل فكرة تنويرية تبدأ غريبة، و تتحول إلى نقاش، ثم تصبح مقبولة، ثم تتحول إلى ضرورة و حل وحيد، أما الأفكار السطحية، فهي التي تجد جماهيرها منذ اللحظة الأولى لأنها خفيفة و سهلة، لأنها تقود الإنسان للكسل الذهني الذي تريده الأغلبية، تقوده لتجنب التفكير، و بالتالي تجنب القيام بشيء مختلف..
لذلك، فإن تصفيق الأغلبية في مجتمع ضعيف الوعي ليس شهادة نجاح، بل قد يكون دليلًا على فساد الفكرة و صاحبها، و أن الفكرة تشبه واقعهم أكثر مما تتجاوزه، المعيار الحقيقي يظهر بالجواب على أسئلة وجودية و واقعية، مثلا… هل فِكرتي تدفع الناس للأمام؟ هل تزعج الراكدين؟ هل تفتح بابًا نحو الأفضل؟ هل تصنع تحولًا و لو صغيرًا في الوعي؟ .. و إن كانت الإجابة “نعم” فلا تنتظر تصفيقًا، فالإصلاح لا يبدأ بصوت الجمهور، بل يبدأ بصوت الضمير… فكرة تسكن العقل، و تمضي ساعات و أيام في نفس الإنسان، يتساءل حولها، ثم يبحث عن أجوبة بوجهة نظر أوسع، من جهة الشرع، من جهة العقل، من المنطق، و من جهة الفطرة، ثم يتقبلها، و يبدأ ضميره في حثه بقوة ليتبناها و لتصبح جزءًا منه و من سلوكه..
في المجتمعات المتقدمة يُقاس الرأي بجودته، و تقاس الفكرة بمدى نفعها، أما في المجتمعات المتخلفة المتأخرة، فيُقاس الرأي بمدى تطابقه مع ما إعتاده الناس، و تقاس الفكرة بمدى إعجاب الناس بها… لذلك، حين ترى الأغلبية تصفق لك بسهولة، فهذه ليست دعوة للغرور، و لا دليل بأنك على الحق، بل هي رسالة خفية تقول لك بصوت خافت بأنك ربما أنت ملائم لِما يوجد في مجتمعك من تدني… ربما فكرتك تتكيف مع المستوى السائد، لا مع المستوى الواجب الإرتقاء إليه.. الشعوب المتأخرة لا تصفق على الحق، بل تحاربه و تتجنبه، و الفكرة الراقية لا تُصفَّق في بدايتها، بل تُفهم لاحقًا حين تسوء الأمور لدرجة إنسداد المخارج و إنغلاق الأبواب، هنا تظهر تلك الفكرة الراقية لتقول: كنتُ هنا منذ البداية، لكنك تجنبتني و رفضتني..

إرسال التعليق